وفيها دليلٌ على إحاطة علمه سبحانه بكل معلوم {قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ} قال: يعني كفار قريش الجاهلون للحكمة في النسخ لا يعلمون {إِنَّمَا أَنتَ} يعني يا محمد، الخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - {إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ} مفترِي حُذفت الياء هنا للتخلص من التقاء الساكنين مفترِي، يعني [هذا مقصور] هذا منقوص يُسمى منقوص كالقاضي، إذا كان نكرة ونون حينئذٍ حذفت الياء كما تقول هذا قاضٍ أصلها قاضي بالياء حينئذٍ التقى ساكنان الياء والتنوين وحذفت الياء {مُفْتَرٍ} أصلها مفتري {مُفْتَرٍ} أي كاذبٌ مختلقٌ على الله متقول عليه بما لم يقل حيث تزعم أنه أمرك بشيء ثم تزعم أنه أمرك بخلافه، يعني رأوا ماذا؟ أن هذا تناقض، وأنه يدل على الكذب والافتراء، يعني ما علموا حقيقة النسخ استدلوا بها على إبطال الشرع وهذا باطلٌ {إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ} بالأمس تقول لنا كذا واليوم تقول لنا كذا وهذا كذبٌ، والجملة جواب {وَإِذَا} ، {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ} ، {قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ} قال تعالى مبطلًا قولهم: {بَلْ} هذا للإبطال انتقالي {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} ، وهذا إضرابٌ إبطالي معناه بل لست مفتريًا ولكن أكثرهم لا يعلمون شيئًا من العلم أصلًا، ولو أنهم كانوا من ذوي العلم لعلموا أنه إذا بدلت آيةٌ مكان آية فإنما ذلك دليلٌ على صدق الرسول عليه الصلاة والسلام، فلا يعلمون الحكمة في ذلك، والحكمة في النسخ مبنيةٌ على المصالح التي يعلمها اللهُ عز وجل، وقد يكون في شرع هذا الشيء مصلحةٌ مؤقتةٌ لوقتٍ ما ثم تكون المصلحة بعد ذلك الوقت في شرع غيره، وهذا واضحٌ بَيِّن.