{قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ} [النحل: 102] يعني بَيَّن سبحانه بعد ما بَيَّنَ ما يتعلق بهم بَيَّن سبحانه هؤلاء المعترضين على حكمة النسخ الزاعمين أن ذلك لم يكن من عند الله وأن رسوله - صلى الله عليه وسلم - افتراه فقال: {قُلْ نَزَّلَهُ} أي القرآن، بدليل ماذا؟ آية {قُلْ نَزَّلَهُ} الضمير يعود إلى القرآن، ما الدليل ذكر الآية التي هي بعض القرآن {قُلْ نَزَّلَهُ} أي القرآن المدلول عليه بذكر الآيةِ {قُلْ نَزَّلَهُ} أي القرآن، والتنزيل والإنزال هو مجيء الشيء من أعلى إلى أسفل، من علوٍ إلى سفلٍ {رُوحُ الْقُدُسِ} أي جبريل عليه السلام، {الْقُدُسِ} التطهير، والمعنى نَزَّلَهُ الرُّوح الْمُطَهَّر من أدناس البشرية فهو من إضافة الموصوف إلى الصفة فجبريل سَمِعَهُ من الله مباشرةً ولم يأخذه من اللوح المحفوظ كما يَدَّعِيه كثير من المفسرين المتأخرين الأشاعرة اعتمادًا على أثر ابن عباس، والنبي - صلى الله عليه وسلم - سمعه من جبريل وهو الذي نزل بالقرآن على محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - كما نص على ذلك أحمد وغيره من الأئمة، وجبريل هو الروح الأمين المذكور في قوله سبحانه: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ} [الشعراء: 193، 194] الآية، ولم يقل أحد من السلف، وهذا كلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سمعه من الله مباشرة لم يرد، وإن قاله بعض الصوفية المتأخر لكن لجهلهم وإنما الذي تواتر عن السلف أن جبريل سمعه من الله تعالى مباشرةً، ونزل به على محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - فسمعه محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - من جبريل مباشرةً ولم يسمعه من الله تعالى مباشرةً، بل بواسطةٍ بينهما وهو جبريل عليه السلام، إذًا لم يقل أحدٌ من السلف إن النبي - صلى الله عليه وسلم - سمعه من الله، وإنما قال ذلك بعض المتأخرين الصوفية وغيرهم، والآية ترد عليهم. قال ابن حجرٍ رحمه الله في (( شرح البخاري ) ): والمنقول عن السلف اتفاقهم أن القرآن كلام الله غير مخلوق، جملتان كل منهما له معنى، كلام الله لأنه أخبر بذلك عن نفسه، وأضافه إلى نفسه، غير مخلوقٍ هذا تصريحٌ بما دل عليه قولنا: كلام الله. لأنه إذا أضيف إلى الباري جل وعلا دل على أنه ليس بمخلوقٍ فهو من باب التأكيد، يذكره السلف لماذا؟ ردًّا على أهل البدع، وحينئذٍ كما مر معنا أن اللفظ قد يدل بدلالة المطابقة على معنى ما، كما نقول: استوى. دل على الاستواء، ويدل بالتضمن على ماذا؟ على أنه بذاته، ولم يرد في الكتاب ولا في السنة التصريح بدلالة التضمن بالجزء الذي دل عليه مطابقة، حينئذٍ التصريح به الأصل عدمه أو التوقف فيه، لأن الأصل ماذا؟ الأصل عدم ذكر لفظٍ لم يرد في الكتاب ولا في السنة هذا الأصل، لكن إذا دل عليه ضمنًا في ضمن كله حينئذٍ نقول: التصريح به في مقابلة رد قول أهل البدع هذا لا إشكال فيه فيكون فيه مقابلة ماذا؟ المناظرة والبحث مع المخالفين، فتقول: جاء بذاته، يجيء يوم القيامة بذاته، تقول: ينزل ربنا إلى السماء الدنيا بذاته، استوى بذاته.