بذاته هذه حق ولا إشكال فيه، لا ننفيها ولا نثبتها أصالةً، لماذا؟ لأن القاعدة عندنا في الألفاظ لا نثبت إلا ما أثبته الشارع هذا الأصل، لكن هذه الجملة لو حذفناها بذاته هل تفهم من اللفظ السابق الاستواء وإسناد الفعل إليه؟ نقول: نعم تدل عليها، لأن الأصل في إسناد الفعل الذي فيه مصدر وهو حدث إلى الفاعل أن الذات هي التي أحدثت هذا الفعل كما تقول قام زيدٌ. زيدٌ هو الذي أحدث القيام {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] استوى الرحمن هو بذاته حينئذٍ التصريح بذاته لا إشكال فيه، لكن نبقى على القاعدة السابقة فنتوقف في اللفظ لعدم وروده، لكن في مقابلة المناظرة مع أهل البدع التصريح قد يكون متعيِّنًا.
قال ابن حجر هنا: والمنقول عن السلف اتفاقهم أن القرآن كلام الله غير مخلوقٍ هذا تضمن اللفظ الدلالة عليه، لكن هل جاء بالقرآن غير مخلوق؟ الجواب: لا، لم يرد كذلك في ذلك في السنة - وهو حق - لما أضاف الكلام إلى الله والباري جل وعلا ذاتًا وصفاتٍ ليس مخلوقًا لا ذات ولا الصفات حينئذٍ نقول: بدلالة التضمن دخل في اللفظ، فالتصريح به حينئذٍ يكون قي مقابلة الرد على المخالف.
كلام الله غير مخلوقٍ تلقاه جبريل عن الله. التلقي إنما يكون ماذا؟ سماعًا مباشرةً هذا الأصل فيه، وبَلَّغَهُ جبريل إلى محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، وبلغه محمدٌ إلى أمته. وهذا ابن حجر صدره بقوله ماذا؟ والمنقول عن السلف اتفاقًا، إذًا اجماع. فما يمر بك كثير في كتب المتأخرين المفسرين أن جبرائيل عليه السلام أخذه من اللوح المحفوظ هذا باطل، أرادوا أن يتوصلوا به إلى ماذا؟ إلى كون الباري جل وعلا لم يتكلم بالقرآن، ففي الآية دليلٌ على أن القرآن مُنَزَّلٌ من عند الله وأنه كلامه جل وعلا بدأ منه وظهر لا من غيره، لقوله: ( {مِن رَّبِّكَ} ) . أليس كذلك؟ ( {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ} ) ابتداءً. إذًا بدأ منه وظهر لا من غيره، وأنه الذي تكلم به لا غيره، وأما إضافته إلى الرسول في قوله: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} [الحاقة: 40] . كما مر معنا فإضافة تبليغٍ لا إضافة إنشاءٍ، والرسالة تبليغ الكلام الْمُرْسِل هذا الأصل، لذا قيل: رسول. فَعُول، هذا مشتقٌ من ماذا؟ من الرسالة. إذًا فَعُول هذا يدل على ذاتٍ متحملةٍ لوصفٍ أو موصوفةٍ بوصفٍ وهو كونه قائمًا بالرسالة. إذًا ماذا يبلغ إذا كان الْمُرْسِل لا يتكلم فالرسول بَلَّغَ ماذا؟ ما الذي سيبلغه؟ لا شيء لأن الكلام سيكون حديث نفسٍ لا يسمعه لا جبريل ولا محمد - صلى الله عليه وسلم -، حينئذٍ نقول: هذا فيه إبطالٌ للرسالة، ولذلك الرسالة تبليغ كلام الْمُرْسِل ولو لم يكن للمرسل كلامٌ يبلغه الرسول لم يكن رسولًا، لماذا حصل أنه رسول؟ لأنه بَلَّغَ الرسالة، أين الرسالة؟ هو لم يتكلم، وإذا لم يتكلم كان أخرص، تعالى الله عن هذا الوصف، ولهذا قال غير واحدٍ من السلف: مَن أنكر أن يكون الله مُتَكَلِّمًا فقد أنكر رسالة رسله، فإن حقيقة رسالتهم تبليغ كلام الْمُرْسِل، وفيها دليلٌ على عُلُوِّ الله على خلقه.
والتنزيل والإنزال مذكورٌ في القرآن على ثلاثة أنحاء كما قلنا - يعني ثلاثة أقسام: