أما إضافة المعاني إلى الله تعالى [فهو أو] فهي من باب إضافة الصفة إلى الموصوف كسمع الله، وبصر الله، ويد الله، وعين الله كل هذه نقول: أضيفت إلى الباري جل وعلا، فدل ذلك على أنها صفات للباري جل وعلا، وليست بمخلوقة كسمع الله وبصره وعلمه وقدرته، فهذا يمتنع أن يكون المضاف مخلوقًا، بل هو صفةٌ قائمة به جل وعلا، والدليل على ذلك قد يقول قائل لماذا فَرَّقْتَ؟ نقول: الدليل على ذلك الاستقراء والتتبع. وعرفنا معنى الاستقراء والتتبع، وإذا كان الاستقراء والتتبع قد قام به أئمة السنة وكان تامًا من كل وجه فهو حجة قطعية، يعني يجب إتباعها، [فمن قال غيرُ ذلك] فمن قال غيرَ ذلك لزمه إثبات ذلك وإلا قوله باطل، وهكذا حكم المجرور بـ (من) فإضافة القرآن إليه سبحانه من باب إضافة الصفة إلى الموصوف لأنه قال: ( {مِن رَّبِّكَ} ) . ( {نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ} ) أضافه إلى نفسه جل وعلا، فدل على أنه صفةٌ قائمة به جل وعلا فهي من باب إضافة الصفة إلى الموصوف لا من باب إضافة المخلوق إلى خالقه.
وفي هذه الآية الرد على من زعم أن القرآن مخلوق، أو أنه كلام بشر وغيره، فمن زعم ذلك فهو كافر بالله العظيم، يعني من ادَّعَى أو زعم أن القرآن مخلوق كفر كفرًا أكبر، أو قال: ليس بكلام الله عز وجل، وإنما هو كلام جبريل أو كلام محمد - صلى الله عليه وسلم - أو اختلقه كذا وكذا حينئذٍ نقول: هذا كفر ورِدَّة عن الإسلام. كما رُوِيَ ذلك عن السلف.
وفيها دليل على أن جبريل نزل به من عند الله وهو كذلك لم يأخذه من اللوح المحفوظ فإنه روح القدس وهو أيضًا الروح الأمين، وفي قوله: {الْأَمِينُ} [الشعراء: 193] . دليل على أنه مؤتمن على ما أُرسل به فلا يزيد فيه ولا يُنقص.
وفيها كذلك دليل على أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - سمعه من جبريل وهو الذي نزل به عليه من عند الله، وجبريل سمعه من الله، والصحابة سمعوه من النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهذا سلسلة واضحة بَيِّنَة محل وفاق بين أهل السنة والجماعة.
وفيها الرد على من قال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - سمع القرآن من الله، وهذا باطل.
وفيها أن السفير بين الله ورسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - هو جبريل عليه السلام.