فدل على أن هذا العلم حاضر الآن، ( {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ} ) [أي كفارَ مكة] أي كفارُ مكةً، ( {إنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ} ) وهذا فيه حصر، يعني لا يعلمه إلا بشر، لم يأتِ النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذا القرآن من عند الله تعالى إنما الذي علمه بشر، والبشر هو الإنسان ذكرًا كان أو أنثى وهو في الأصل جمع بَشَرَةٌ وهو ظاهر الجلد سُمُّوا بَشَرًا لظهور أبشارهم خلافًا لغيرهم من الحيوان، أي إن الذي يُعلم النبي - صلى الله عليه وسلم - آدميٌّ هذا المراد بشر آدميٌّ وليس من عند الله، لأن مرادهم ماذا؟ التوصل إلى نفي كون هذا القرآن كلام الباري جل وعلا سواء علمه زيد أو عبيد لا يعنيهم المهم ماذا؟ أنهم من كلام البشر، ولذلك قال الشارح هنا: أي إن الذي يُعلم النبي - صلى الله عليه وسلم - آدميٌّ، وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجلس إلى رجل أعجميّ في مكة وكان ذلك الرجل يقرأ في الكتب السابقة، فقالت قريش: إن هذا الرجل كان يُعلم محمدًا. يعني جاء هذا القرآن من لدن هذا الأعجمي فأكذبهم الله عز وجل، وبقوله: ( {لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} ) . يعني هذا الذي نسبتم إليه أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - تعلم هذا القرآن منه هذا أعجمي لا يُفصح ليس لسانه عربيًّا، وهذا القرآن بلسان عربي مبين ففرق بينهما، هذه حجة داحضة، حينئذٍ دل ذلك على أنه ليس من كلام هذا الأعجمي. قوله: ( {لِّسَانُ} ) . أي لغة، و ( {لِّسَانُ} ) يطلق على اللغة، واللغة تسمى لسانًا، ( {إنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ} ) الإلحاد الميل يقال: لَحَدَ وَأَلْحَدَ مال عن القصد، ( {يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ} ) ، ( {لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ} ) أي يميلون ويشيرون إليه أنه يعلم محمدًا - صلى الله عليه وسلم - أعجميٌّ لا يتكلم بالعربية، وهذا لسان عربي، بل هو أفصح الكلام العربي، فلا يُفصح بالكلام وإن كان عربيًّا، قد يكون عربيًّا لا يفصح بالكلام، أليس كذلك؟ أصله عربي لكنه نشأ بين لسان غير عربي، حينئذٍ هو أعجمي وهو عربي لا إشكال فيه، والعجمي المنسوب إلى العجم وإن كان فصحيًا، يعني ثَمَّ فرق بين الأعجمي والعجمي، الأعجمي الذي لا يفصح، والعجمي هو المنسوب إلى العجم وإن كان فصيحًا، وإذا قيل: عجمي. هذا لا يتعلق باللسان قد يكون من أفصح الناس لكن المراد به ماذا؟ منسوب إلى العجم، وأما أعجمي فلا، وهذا يدل على اللسان، والعرب تُسَمِّي كل من لا يعرف لغتهم ولا يتكلم بها أعجميًّا وليس عجمي، قال الفراء: الأعجمي الذي في لسانه عُجْمَة وإن كان من العرب. في لسانه عجمة وهذا يعني أعم من ذاك السابق، السابق الذي لا يتكلم، وهذا قد يتكلم لكن عنده وعنده فيه لكنه فهو أعجمي، ولذلك دائمًا نقول نحن: الذي لم يدرس اللغة أعاجم. لأنك لو أردت أن تقرأ القرآن فَسِّر لي تأتي الكلمات عشرات مئات لا تحسنها، قد يلتبس عليه الفاعل من المفعول حينئذٍ نقول: نحن عجم حتى نتعلم لسان العرب، وهو كذلك. وفي قوله: ... ( {وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} ) .