الصفحة 662 من 883

وقال - صلى الله عليه وسلم: «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه» يعني في ماذا؟ مثله معه في كونه مبينًا للشريعة، في كونه مصدرًا من مصادر التشريع، فالقرآن مصدرٌ من مصادر التشريع، والسنة مصدرٌ التشريع، والعقل في بالإجماع ليس مصدرًا من مصادر التشريع، ولا العادات والتقاليد مصدرًا من التشريع، وإنما التشريع محصور في الوحي فحسب والإجماع دليلٌ سمعيٌ دل على حجيته بضوابطه السمع الكتاب والسنة، والقياس وإن كان هو من دلالة العقل لكنه مُقيد. مقيد بماذا؟ بأن يكون الأصل من الكتاب والسنة وبأن يكون الأصل قد دل الحكم عليه من الكتاب والسنة، وبأن كون الأصل ماذا؟ مُعلل بأن يكون العلة موجودة في الفرع، إذًا هذا تقيد للعقبة وليس استقلالًا، ومر معنا أن العقل ليس مُشرعًا التّشريع إنما هو للوي فحسب، وأما هذا الاجتهاد فهو نوعٌ من رحمة الباري جل وعلا بالخلق أن جعل بعض المسائل مما تحتاج إلى نقل الحكم الشرعي من الأصل إلى الفرع لعلةٍ جامعة في الحكم، فحينئذٍ يبحث العقل عن تعليل الحكم يبحث العقل عن وجود العلة بكاملها في الفرع، ثم يلحق الفرع بأصله، وهذا حكمٌ عقلي لكنه ليس ابتداءً وانتهاءً، وإنما هو في مجال الاستنباط فحسب، ولذلك أهل السنة والجماعة لا يُلغون العقول مطلقًا، وإنما يقولون العقل لا يستقل بالتشريع، وأما كونه يستنبط ويفهم ويستدل فهذا لا إشكال في وجوده. إذًا «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه» يعني السنة. رواه أصحاب السنن من حديث المقدام بن معدي كرب. وقال سبحانه في آيةٍ واضحةٍ بَيِّنَة تدل على أن ما قاله النبي ع هو وحيٌّ فقال عز وجل: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى} [النجم: 3] يعني محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 4] ، {إِنْ} هذه نافيةٌ، وإلا إذا جاءت بعد النفي أفادت الحصر، يعني ليس ما ينطق به النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا الوحي، وليس المراد ما ينطق به من قوله اسقني ماءً ونحو ذلك إنما المراد به ما يُنْسَبُ إلى الشرع، فنطقه - صلى الله عليه وسلم - الذي يُنسب إلى الشرع ليس هو إلا وحيٌّ، وعلمنا أن الوحي إنما يكون من السماء. إذًا القرآن وحيٌّ، والسنة وحيٌّ كذلك. إذًا انحصر مصدر التشريع في الوحيين، ولذلك قال بعض أهل العلم: كل ما كان من الوحي فهو من الدين، وكل ما لم يكن من الوحيين فليس من الدين البتة {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت