الصفحة 685 من 883

وفيه إثبات أن فرح الله جل وعلا هو أشد من فرح غيره، وهذا يدل على الاشتراك في أصل معنى الفرح بين الْمُتَفَاضِلَيْنِ، لأن هذا الذي تقتضيه لغة العرب، لأن الْمُتَفَاضِلَيْنِ لا بد أن يكون بينهما قدر مشترك حتى يستقيم التفاضل، زيدٌ أعلم من عمرو، لا بد أن يكون زيد عنده شيء من العلم وعمرو عنده شيء من العلم إلا أن علم زيد أكثر وأشد من علم عَمرو، وهكذا .. فلا بد من المفاضلة بين شيئين أن يكون المفضل والمفضل عليه اشتركا في أصل المعنى، وأما إذا لم يكن فالأصل حينئذٍ لا يأتي أفعل التفضيل، ولذلك قد يقول النحاة وغيرهم: بأن أفعل التفضيل هنا ليست على بابها. ما المراد ليست على بابها؟ بمعنى أنها لم تستعمل في التفضيل، فالأصل فيه إذا كان [زيد مثلًا جاهل] عمرو جاهلًا من كل وجه، وليس عنده شيءٌ من العلم فإذا قيل زيدٌ أعلم من عمرٍو حينئذٍ يقال هنا أفعل التفضيل ليست على بابها؟ لأن ليس عندنا مفضل ومفضل عليه، وهذا الأصل وعدمه، لكن قد يستعمل في لسان العرب، وأما الأصل في استعمال أفعل التفضيل أن يكون المعنى الذي دل عليه أفعل التفضيل أعلم ونحوه حينئذٍ يكون أصل لكلّ مشترك بين المفضل والمفضل عليه ( «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا» ) إذًا عندنا فرحان، فرحٌ يحتمل أنه باعتبار الباري جل وعلا، ويحتمل كذلك باعتبار مَنْ؟ باعتبار المخلوق، كما قال الله تعالى: {اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} ، {أَعْلَمُ} من المخلوقين، ولو كان ظن من ظن أنه أولى بالنبوة والرسالة. إذًا فيها إثبات صفة الفرح، وفيه إثبات أن فرح الله جل وعلا هو أشد من فرح غيره، وهذا يدل على الاشتراك في أصل معنى الفرح بين الْمُتَفَاضِلَيْنِ، لأن الْمُتَفَاضِلَيْنِ لا بد أن يكون بينهما قدرٌ مشترك حتى يستقيم التفاضل. وهذا هو الأصل في أفعل التفضيل.

ومنها فضل التوبة إلى الله سبحانه وتعالى.

ومنها أنه سبحانه يقبل توبة عبده ويفرح بها إذا وقعت على الوجه المعتبر شرعًا.

ومنها أن في الحديث دليلًا على أن الإنسان إذا جرى على لسانه كلمة كفرٍ من شدة دهشٍ ونحو ذلك أو حكا كُفْرًا أنه لا يُكَفَّرُ بذلك ولا يُؤاخذ به، إذا غضب غضبًا شديدًا أو غُطِّيَ على عقله سواء كان بِفَرَحٍ أو كَرَاهةٍ أو غَضَبٍ أو نحو ذلك فحينئذٍ يقال بأنه ارتفع عنه التكليف فلا يُؤاخذ، لا بكلمة كفرٍ ولا بطلاقٍ ولا عتاقٍ ولا غير ذلك.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وفي الحديث من قواعد العلم: أن اللفظ الذي يجري على لسان العبد خطأً من فرحٍ شديد. فرحٍ شديد ليس كل فرح، أو غيظٍ شديدٍ ونحوه لا يُؤاخذ به حينئذٍ يكون القلم مرفوعًا عنه، ولذلك يعتبر من الأوصاف التي إذا قامت بالعبد ارتفع عنه التكليف، فليس أهلًا للتكليف، يعني من الموانع، من موانع التكليف إن صح التعبير، ولهذا لم يكن كافرًا بقوله: «أنت عبدي وأنا ربك» إذًا في الحديث إثبات صفة الفرح، وهل هذه من السنة المستقلة أم المؤكِدة؟ المستقلة، بمعنى أن صفة الفرح لم تأتِ في الكتاب، ومر معنا أنه لا يشترط في إثبات الصفات أن تكون في الكتاب فحسب، بل السنة كالكتاب في ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت