ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: (وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَضْحَكُ اللَّهُ إلَى رَجُلَيْنِ؛ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ؛ كِلَاهُمَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
هذا هو الحديث الثالث، وفيه إثبات صفة الضحك «يضحك الله» أسند الفعل المضارع إلى الفاعل، إلى فاعله «يضحك الله» فالله ضاحكٌ، حينئذٍ نقول: هذه صفةٌ للباري جل وعلا، ولما قال: «إلى رجلين يقتل أحدهما» عَلَّقَهُ بسببٍ فدل على ماذا؟ على أنه صفةٌ فعلية، هكذا تأخذ من النص «يضحك الله» فيه إسناد وإضافة الفعل الذي تضمن الحدث وهو الضحك إلى الباري جل وعلا فهو فاعله، فالله ضاحكٌ، حينئذ ٍلَمَّا عَلَّقَهُ بسببٍ «إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر» دل على أنه لم يكن ثم كان، ثم هذا المذكور في الحديث يُعتبر سببًا، وإذا كان سببًا فكل صفةٍ عُلِّقَتْ أو رُتِّبَتْ على سببٍ تكون صفةً فعلية مُتَعَلِّقَةً بالمشيئة. متفقٌ عليه أي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وتمامهم «يقاتل هذا في سبيل الله فيُقتل ثم يتوب الله على القاتل فيُستشهد» كلٌ منهما قتل الآخر وكلاهما يدخلان الجنة، [هذا مسلم قتل كافرًا] ، هذا مسلم قتله كافر، حينئذٍ هو شهيدٌ بإذن الله تعالى، ثم هذا الكافر يُسلم ثم يجاهد فيُقتل حينئذٍ كلاهما دخلا الجنة. وروى هذا الحديث أحمد ومالك والنسائي وابن ماجة وابن حبان، ورواه البيهقي في (( الأسماء والصفات ) ).
في هذا الحديث فوائد منهما:
إثبات الضحك لله سبحانه وتعالى كما يليق بجلاله وعظمته، وهذا لا نحتاج إلى تفسير كالفرح فيما سبق، وإنما يُذكر بالآثار، وإلا المعنى يُدركه كل من سمع كلمة ضحك حينئذٍ يقوم به المعنى بقلبه، لكن لا يلزم من الضحك هو معنًى قائمٌ بالقلب كالفرح حينئذٍ الابتسامة وفتح الفم ونحو ذلك هذه آثار ليست هي داخلةٌ في مسمى الضحك، ولذلك لا تثبت للباري جل وعلا وإلا صار تكييفًا، ولذلك بعضهم نفى هذه الصفة بناءً على ماذا؟ على أنه يستلزم فتح الفم وإظهار السنون والنواجز ونحو ذلك، وهذا كله لا يلزم، لأنه ليس هو الضحك، وإنما هو ماذا؟ هو أثرٌ من آثار الضحك وحينئذٍ لا يلزم تفسيره به، وإنما المعنى الذي يُدْرَكُ منه ما جاء في لسان العرب.
ومنها: فيه فضل الجهاد في سبيل الله وعِظَمِ أجر المجاهد، لأنه قال: يدخل الجنة «كلاهما يدخل الجنة» وهذا دل على فضيلة الجهاد في سبيل الله، وقد تكاثرت الأدلة في الحثِّ على الجهاد في سبيل الله.
ومنها فيه فضلُ القتل في سبيل الله، وأن المقتول في سبيل الله بهذا القيد - في سبيل الله - يعني لم يُرِدْ إلا إعلاء كلمة الله تعالى لا لأمرٍ آخر يدخل الجنة وهذا فضلٌ عظيم.
قال ابن عبد البر: يستفاد من الحديث أن كل من قُتِلَ في سبيل الله يدخل الجنة. بهذا القيد وليس بالهين [وعليكم السلام ورحمة الله] كُلّ من قتل في سبيل الله يعني خالصًا مخلصًا لله عز وجل لم يخرجه لا مالٌ ولا أرضٌ ولا غيرها، وإنما خرج لأجل الله جل وعلا ولإعلاء كلمة الله تعالى حينئذٍ يدخل الجنة.
ومنها أن القتل في سبيل الله يُكفر الذنوب.
ومنها أن التوبة تأتي على سائر الذنوب حتى ذنب القتل.