قوله: ( «وَقُرْبِ غِيَرِهِ» ) . ( «غِيَرِهِ» ) أولى من خِيَرِهِ، ( «غِيَرِهِ» ) أي مع قرب غيره، يعني الواو هنا بمعنى (مع) ، وقرب يعني (مع) ، قرب غيره فالواو بمعنى (مع) ، والْغِيَر اسم جمع لِغِيَرَة كَطِيَر وَطِيَرَة وهي اسم بمعنى التغيير، والمعنى مع قرب تغييره، أي تغييره الحال من حال شدةٍ إلى حال رخاء. إذًا ( «مِنْ قُنُوطِ عِبَادِهِ وَقُرْبِ غِيَرِهِ» ) يعني تغييره للأحوال، ما أقرب أن يغيِّرَ الله عز وجل أحوال العباد، وحينئذٍ لا يحتاج إلى أن يكون اليأس قائمًا بالقلب في هذه الحال، ( «يَنْظُرُ إلَيْكُمْ أَزِلِينَ قَنِطِينَ» ) ، ... ( «يَنْظُرُ إلَيْكُمْ» ) يعني بالعين، ففيه إثبات صفة النظر، ( «أَزِلِينَ قَنِطِينَ» ) أي ينظر الله إليكم بعينه، والأَزْلُ أَزْلُ على وزن فَعْل بالسكون الشدة والضيق، والأَزِلُ اسم فاعل، يعني من قام به الأَزْلُ كالفَرَح والفَرِح، فَرَح هذا مصدر، والفَرِح هذا اسم فاعل، كذلك الأَزْل بإسكان الزاي هذا مصدر، والأَزِل هذا اسم الفاعل، والأَزِل على وزن كَتِف هو الذي أصابه الأَزْلُ واشتد به الحال حتى كاد يقنط وهو الواقع في الشدة، و ( «قَنِطِينَ» ) جمع قَانِط وهو اليائس من الفرج وزال الشدة، فذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - حال الإنسان وحال قلبه، حال الإنسان أنه واقع في شدة وحال قلبه أنه قانط يائس مُسْتَبْعِدٌ للفرج اجتمع فيه الأمران قال: ( «فَيَظَلُّ يَضْحَكُ» ) . يعني من هذه الحال العجيبة كيف يقنط من رحمة أرحم الراحمين؟ ( «يَعْلَمُ - جل وعلا - أَنَّ فَرَجَكُمْ قَرِيبٌ» ) أي زوال شدتكم قريب، وهذا الحديث كقوله سبحانه وتعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ} [الشورى: 28] . والمعنى أنه سبحانه وتعالى يعجب من قنوط عباده عند احتباس القطر عنهم، وقنوطهم ويأسهم من الرحمة، وقد اقترب وقت فرجه ورحمته لعباده بإنزال الغيث عليهم وتغييره لحالهم، وهم لا يشعرون فعند تناهي الكرب يكون الفرج كما جاء في الحديث «وإن الفرج مع القرب وإن مع العسر يُسرًا» . ففي هذا الحديث كغيره من الأحاديث المتكاثرة جدًّا إثبات الضحك والعجب لله سبحانه وتعالى حقيقةً كما يليق بجلاله وعظمته.
والأحاديث في إثبات الضحك لله سبحانه وتعالى متواترة عند بعض أهل العلم، وقلنا: إن لم تكن متواترة فحينئذٍ لو كانت آحاد أو مشهورة أو مستفيضة فلا فرق في إثبات الأحكام الشرعية سواء كان في باب المعتقد وغيره بهذه الأحاديث.