وفيه إثبات النظر لله سبحانه وتعالى لقوله: ( «يَنْظُرُ إلَيْكُمْ» ) . يعني بعينه والقدرة والعلم والرحمة، وكل هذه من الصفات الفعلية فنُثبتها لله سبحانه وتعالى حسب ما جاءت بذلك الأدلة المتكاثرة، وليس في إثبات هذه الصفات محظور البتة، فإنه ضحكٌ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ، وعجب ... {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ، وحكمه حكم رضاه ومحبته وإرادته وسمعه وبصره وسائر صفاته، فالباب واحد لا نُثبت بعض الصفات وننفي بعض الصفات الأخرى، بل الباب الواحد لا تمثيل ولا تعطيل فالقول في الصفات كالقول في الذات، فكما أننا نعتقد أن لله ذاتًا لا تُشبه الذوات، فالصفات [يُحْذَى بها] يُحْذَى فيها حَذْو الذات، والصفات حكمها واحد لا فرق بين صفةٍ وصفة وبابها واحد، فإذا أثبتنا بعضًا ونفينا البعض الآخر تناقضنا كما فعل الأشاعرة نفوا أكثر الصفات وأثبتوا سبعًا منها، لأن الأدلة التي أثبتت تلك الصفة هي التي تثبت بها الصفات الأخرى من الصفات التي نَفَوْهَا، فإثبات بعض ونَفْي بعض يعتبر تناقضًا.
قوله: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) . الحسن اصطلاحًا هو ما عرف مخرجه واشتهرت رجاله، وشروطه شروط الصحيح إلى أن الضبط يكون أقل وأخف من الصحيح على تفصيل عندهم، وهذا هو الحسن لذاته، وأما الحسن لغيره فهو ما اختلت به شروط الصحيح لكن انجبر بمجيئه من طرق أخرى، والأحسن أن يقال أنه ضعيف إذا تعددت طرقه. والحسن يشارك الصحيح في الاحتجاج به على قول أكثر أهل العلم، ومنهم من نفى.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وَقَوْلُهُ - صلى الله عليه وسلم: «لا تَزَالُ جَهَنَّمُ يُلْقَى فِيهَا وَهِي وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ. حَتَّى يَضَعَ رَبُّ الْعِزَّةِ فِيهَا رِجْلَهُ» . وَفِي رِوَايَةٍ: «عَلَيْهَا قَدَمَهُ فَيَنْزَوِي بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ فَتَقُولُ: قَط قَط» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
هذا هو الحديث الخامس الذي ذكره المصنف رحمه الله تعالى، وفيه إثبات صفة الرجل أو القدم وهما بمعنى واحد، هذا الحديث قال المصنف: (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . يعني ثابت رواه البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك، وتمامه «وتقول قط قَط بعزتك وكرمك، ولا يزال في الجنة فضل» يعني زيادة «حتى يُنْشِئَ لها خلقًا آخر ويسكنهم الله في فضول الجنة» . هذا الحديث فيه إثبات صفة القدم لله جل وعلا، ورواية الرجل تفسر برواية القدم فهما لفظان والمعنى واحد لأنه في استعمال لسان العرب هكذا، وأن الله جل وعلا متصف بهذه الصفة، والله سبحانه وتعالى ورد كما في القرآن {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ} [القلم: 42] أي عن ساقه وكذلك أيده حديث أبي سعيد، فجاء وصف الساق، وكذلك متصف بالرجل ومتصف بالقدم، وَلَمْ يرد غير هذه الثلاث الصفات: القدم، والرجل، والساق. لله تبارك وتعالى نُبثتها ومعانيها معلومة من لسان العرب لا تحتاج إلى تنصيص، وكذلك نقول: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى: 11] . ونُثبت ذلك كما جاء في النصوص من غير تحريف ولا تمثيل ومن غير تعطيل ولا تكييف.