وفيه إثبات كلام النار، وأنها تتكلم فتقول، وهل هذا الكلام بلسان المقال أم بلسان الحال؟ مر معنا أن هذه المسائل يَخْتَلِف فيها أهل العلم، وكثير منهم يرون أنها بلسان الحال لا بلسان المقال، لأنه قال: (وَتَقُولُ) : إذًا لا بد من لسان ولا بد من فمٍ ولا بد من مخارج، وهذه جماد كالجدار ونحوه وحينئذٍ لا يُعقل، فالعقل ينفي ذلك، وهذا باطل، لأنه يُعتبر تحريفًا بل الحق أن ظاهر النص مُعتبر هنا لأن النار والجدار ونحوها هذه إدراكها على وجه الحقيقة لا يُدركه العقل، وإنما نحن ندرك الظاهر، فإذا أثبت الباري جل وعلا أن الجدار يُريد، نقول: يريد، فله إرادة. أن جبل أحد يحبنا. إذًا يحبنا، كيف يحب؟ لا يشترط أن يكون بقلبٍ، والله أعلم بذلك، لو قلنا: بقلب حينئذٍ كَيَّفْنَا، والباب هنا [باب المغيبات كلُّها] باب المغيبات كلِّها مناطٌ بالتسليم فحسب فالإيمان حينئذٍ يكون إيمان تسليمٍ لأن هذا جاء به النص، وأما الْكَيْف فنقول: لا علم لنا بذلك.
قولان أصحهما الأول أنه بلسان المقال، يعني بالقول للحديث، ولأن الأصل الحقيقة فإن الله سبحانه وتعالى يخلق فيها إدراكًا {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الحشر: 6] ونحن لا ندرك ذلك.
وفيه دلالة على عِظَمِ سعة النار وعمق قعرها بحيث تسع كل عاصٍ لله جل وعلا من حين خلق الله الخلق وتطلب الزيادة، وهذا يدل على أن سعتها عظيمة. ولَمَّا كان من مقتضى رحمته جل وعلا ألا يُعَذّب أحدًا بغير جرمٍ وكانت النار في غاية السعة حَقَّقَ وعده، وهو ماذا؟ ما هو وعده؟ أن يملأ جهنم، فيضع عليها قدمه فيتلاقى طرفاها ولا يبقى فيها فضلٌ عن أهلها. وأما الجنة فيبقى فيها فضلٌ عن أهلها فيُنْشِأُ الله لَهَا خلقًا آخرين.
إذًا الجنة تسع أهلها وزدياة يبقى فضلٌ، حينئذٍ يُنْشِأُ الله يعني يخلق الله عز وجل خلقًا فتملأ الجنة يعني ما فضل، وأما النار فحينئذٍ لا يَخْلُقُ الله عز وجل لها خلقًا آخرين لماذا؟ لأنه لا يعذب أحدًا بغير جرمٍ، فيفعل جل علا ما جاء النص في هذا الحديث بذكره.
قال: هنا كما ثبت ذلك في الحديث.