الصفحة 703 من 883

أمرٌ كوني القدري. ومن قوله سبحانه: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82] ، {كُنْ} هذه كلمةٌ من كلام الباري جل وعلا، {فَيَكُونُ} هذا مخلوق قال لعيسى: {كُن} [آل عمران: 59] فكان عيسى بكن، فحينئذٍ عيسى مخلوق لأنه هو محل يكون، وقال الله عز وجل له: {كُن} حينئذٍ الخلق صفةٌ للباري جل وعلا، وهنا {كُن} يعتبر كلامًا. وقوله سبحانه: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا} [الإسراء: 16] وهنا أمر شرعي؟ لا، لماذا؟ {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا} والله تعالى لا يأمر بالفسق أمرًا شرعيًا وإنما يأمر به أمرًا كونيًا قدريًا لحكمةٍ لِمَا يترتب على ذلك.

ثاني الأمر الديني الشرعي كقوله: {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ} [النحل: 90] والعدل كله واجب، أليس كذلك؟ كل عدلٍ فهو واجب، والإحسان؟ كل واجب؟ ليس كله واجب، منه واجبٌ، ومنه مستحب. هذا يفيدنا في قاعدة أصولية وهو أن قوله: {يَأْمُرُ} لفظ مشترك {يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ} ، {بِالْعَدْلِ} العدل مأمورٌ به لقوله: {يَأْمُرُ} ، ... {وَالإِحْسَانِ} مأمورٌ به، ومنه واجبٌ ومنه مستحب إذًا قوله: {يَأْمُرُ} هذا ليس خاصًا بالواجب، بل يشمل المندوب، ومن هنا جاءت جاء القول الراجح عند الأصوليين - وهو صحيح - أن المندوب مأمورٌ به، صحيح؟ المندوب هل هو مأمور به أو لا؟ فيه خلاف عند الأصوليين، والصواب أنه مأمور به، وذلك قال هنا {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ} ، {يَأْمُرُ} يعني هل يصح أن يقال أمر الله تعالى بشيءٍ ثم يكون ندبًا؟ نعم، بدليل الذي معنا {يَأْمُرُ} هذا أَمَرَ حينئذٍ تتعلق بالواجب وتتعلق بالمندوب، وهذه مسألةٌ أصولية. فأمره سبحانه الكوني نافذٌ لا رَادّ له. ( «فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» ) فلا رادّ لأمره ولا معقب لحكمه.

وأما أمره الشرعي فقد يُمْتَثَل وقد لا يُمْتَثَل ( «كَمَا رَحْمَتُكَ فِي السَّمَاءِ» ) الكاف للتعليل هنا ( «كَمَا رَحْمَتُكَ فِي السَّمَاءِ» ) الكاف للتعليل والمراد بها التوسل، توسلٌ إلى الله تعالى الذي جعل رحمته في السماء أن يجعلها في الأرض، وهذه لا يلزم منه أن لا تكون الرحمة في الأرض، بل هي في الأرض لكن المراد هنا رحمةٌ خاصة، يعني تتعلق بهذا المريض لأن وجود الرحمة في الأرض هذا وجودٌ عام لا يستلزم أن يكون زيدًا بذاته بعينه من الناس مرحومًا نالته تلك الرحمة، لكن الرحمة موجودة في الأرض، والذي أراده هنا في قوله: ( «كَمَا رَحْمَتُكَ فِي السَّمَاءِ» ) أن يجعل رحمته في الأرض على هذا المريض على جهة الخصوص، ولذلك نقول: المراد رحمةٌ خاصةٌ هنا بالمريض، وإلا فرحمته في الأرض كما هي في السماء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت