الثاني: رحمةٌ تضاف إليه سبحانه من باب إضافة المخلوق إلى خالقه كما قال في هذا الحديث: ( «أَنْزِلْ رَحْمَةً مِنْ رَحْمَتِكَ» ) . أضافها إلى الباري جل وعلا، هناك إضافة ماذا؟ بيت الله وناقة الله ونحوها ( «رَحْمَتِكَ» ) هذا مثلها لأنها تكون ماذا؟ تكون مخلوقةً، وكما في الحديث «خلق الله مائة رحمة» . وقوله - صلى الله عليه وسلم: «قال الله سبحانه للجنة: أنتِ رحمتي أرحم بك من أشاء» . تقدم هذا فيما سبق، قوله: ( «اغْفِرْ لَنَا حُوْبَنَا» ) . ( «حُوْبَنَا وَخَطَايَانَا» ) ، ( «حُوْبَنَا» ) ، ( «اغْفِرْ» ) هذا فعل دعاء من الغفر وهو الستر ووقاية الأثر، ومنه الْمِغْفَر والجمع غفير. ( «حُوْبَنَا وَخَطَايَانَا» ) ، ( «حُوْبَنَا» ) بضم الحاء، الحوب هو الإثم، ومن قوله: {إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا} [النساء: 2] . والحوب هو الإثم، والخطايا هي الذنوب والآثام ( «حُوْبَنَا وَخَطَايَانَا» ) ، وعلى هذا يكون ماذا؟ يكون من باب عطف الشيء على مثله، والأولى أن يقال بأنهما إذا افترقا اجتمعا، وإذا اجتمعا افترقا، يعني الحوب والخطايا إذا اجتمعا افترقا، فحينئذٍ الحوب المراد به كبائر الإثم، والخطايا هي الصغائر هذا إذا اجتمعا، وأما إذا افترقا فهما بمعنى واحد، وإلا لو فسرنا ( «حُوْبَنَا وَخَطَايَانَا» ) الإثم والإثم صار بمعنى واحد، وهذا الأصل عدمه، والمعنى اغفر لنا كبائر الإثم وصغائره هذا أجود ما يحمل عليه النص، ( «أَنْتَ رَبُّ الطَّيِّبِينَ» ) جمع طيب، وخصهم بالذكر لِمَا اتصفوا به من الطِّيبِ، يقال: طَابَ يَطِيبُ طِيبًا لَذَّ وزَكَا ( «رَبُّ الطَّيِّبِينَ» ) الذين زَكُّوا أنفسهم، ومعلوم أنه رب كل شيء، أليس كذلك؟ ما يتصف بالطيب والخبث وغيرها، لكن هذه ربوبية خاصة ( «رَبُّ الطَّيِّبِينَ» ) ، ( «الطَّيِّبِينَ» ) يعني الذي زَكُّوا أنفسهم من الأنبياء والأولياء وغيرهم، حينئذٍ وغيرهم غير الأنبياء الكافر ليس ربهم؟ بلى، إذًا هذه الإضافة هنا من باب التخصيص فقط التشريف، ولكن هذه ربوبية خاصة بأنبيائه وعباده الصالحين لها اختصاص على الربوبية العامة للخلق، فإن من أعطاه الله من الكمال أكثر مما أعطى غيره فقد رَبَّهُ ورَبَّاهُ رُبُوبِيَّةً وتَرْبِيَةً أَكْمَلَ من غيره، ومر معنا في أوائل الكتاب أن الربوبية قسمان: ربوبية عامة، وربوبية خاصة.
ربوبية عامة هذه سائر الخلق دخل فيها الكافر وغيره.
وربوبية خاصة هي ربوبية لأنبيائه وعباده الصالحين.
وفي هذا الحديث الإشارة إلى التوسل بربوبيته سبحانه للطيبين، وهذا التوسل الشرعي وهو التوسل بربوبيته سبحانه وأسمائه وصفاته، وهذا التوسل من أعظم الوسائل للحصول على المقصود، ولا يكاد يُرَدُّ دعاء من توسل بها، فلهذا دعا الله بعدها بالشفاء الذي هو شفاء الله الذي لا يَدَعُ مَرَضًا إلا أزاله، وفيه أنه ينبغي أن يأتي من صفاته فكل مقام بما يناسبه، وهو كذلك. كل داعٍ يأتي باسم يُناسب المقام كلفظ الغفور عند طلب المغفرة، والرزاق عند طلب الرزق، ونحو ذلك، فالقرآن والأدعية النبوية مملوءة بذلك.