ثانيًا: ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا المنافق وغيره استبقاءً لانقيادهم وتأليفهم لقلوبهم فإنه - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا استأذنه بعض الصحابة بقتل بعض المنافقين قال: «معاذ الله أن يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه» . وهنا يُستدل بهذا الحديث على أن دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح. لأن هذا منافق وهو مفسد وله ضرر على الناس وعلى المسلمين آنذاك فأبقاه النبي - صلى الله عليه وسلم - حمايةً للدعوة، فدل ذلك على ماذا؟ [على أن المفسدة تُدْرَأُ دل على أن المصلحة تدفع] على أن جلب المصلحة ليس مقدم على دفع المفسدة، بل دفع المفسدة مقدم] لأنه إذا سَمِعَ من سَمِعَ بأن هذا الصحابي آمن بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يعلمون حاله لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد قتله. إذًا كل من أراد أن يدخل في الإسلام يحتمل أن يكون مصيره مصير هذا الذي قتل وقتله محمد - صلى الله عليه وسلم - فدفعًا لهذه المفسدة وهي تزمر من الإسلام ونحوه النبي - صلى الله عليه وسلم - أبقى المنافقين مع وجود الضرر الكبير على الإسلام وأهله.
ثالثًا: فيه دليل على تكفير الخوارج كما ذكرنا، وأما قول علي فهذا محجوجٌ بالنصّ.
رابعًا: فيه دليل على علو الله على خلقه. فقوله: ( «فِي السَّمَاءِ» ) فُسِّرَت بمعنى (على) ، أو أن المراد بالسماء العلو كما ذكرنا، ولا تنافي بين التفسيرين فليس معنى قوله: ( «فِي السَّمَاءِ» ) أن السماء تُظله، يعني لو أبقيناه لو قال قائل لماذا أنتم تحرفون هذا النصّ؟ نقول: لا، لأننا لو أبقيناه على ظاهره لكانت السماء تُظله أو تُقِلّه أو كانت محيطةٌ به، وهذا ممتنع باتفاق المخالفين والموافقين، فليس معنى قوله: ( «فِي السَّمَاءِ» ) أن السماء تظله أو تقله، تظله يعني من فوقه، أو تقله يعني تحمله أو تحيط به أو تحويه، فإن هذا مما لا توجبه اللغة، وخلاف ما فطر الله عليه الخلق.