قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ثم من توهم أن كون الله في السماء تحيط به وتحويه فهو كاذبٌ إن نقله عن غيره - إن نقل هذا المعنى تفسيرًا لأحدٍ سبق - فهو كاذب، وضالٌ إن اعتقده في ربه - يعني من عند نفسه ولم ينقله عن غيره - وما سمعنا أحد يفهمه من اللفظ. يعني من أهل العلم ما قال به أحد من أهل العلم، ولا رأينا أحدًا نقله عن أحدٍ، ولو سئل سائر المسلمين هل يفهمون من قول الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - أن الله في السماء أن السماء تحويه لبادر كل أحدٍ أن يقول: هذا شيءٌ لعله لم يخطر ببالنا. فدل ذلك على أن قوله: ( «فِي السَّمَاءِ» ) محالٌ أن يُحمل على ظاهره، فليست (في) هنا للظرفية. وإذا كان الأمر هكذا فمن التكلف أن يُجْعَلَ ظاهر اللفظ شيئًا محالًا لا يفهمه الناس منه. ثم يريد أن يتأوله، بل عند المسلمين أن الله في السماء، وهو على العرش شيءٌ واحد، في السماء يعني على السماء، لا نفهم منه إلا ما هو حقٌّ وليس ظاهر النصوص ما هو محالٌ، إذ السماء إنما يُراد به العلو، فالمعنى أن الله في العلو لا في السفل، وقد علم المسلمون أن كرسيه سبحانه وسع السماوات والأرض، وأن الكرسي في العرش كحلقةٍ ملقاةٍ في أرضٍ فلاة، وأن العرش خلقٌ من مخلوق الله لا نسبة له إلى قدرة الله وعظمته، فكيف يتوهم متوهمٌ بعد ذلك أن خلقًا يحصره أو يحويه. هذا محالٌ ولا يتصوره إلا عقلٌ فاسدٌ. وقال الله سبحانه وتعالى عن فرعون {لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} [طه: 71] ، {فِي} هنا بمعنى (على) . وقال بعض المفسرين: لا، هي على بابها بمعنى أنه من شدة العذاب كأنهم التصقوا بجذوع النخل، وهو محتمل أن يكون على ظاهره. وقال تعالى: {فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ} [النحل: 36] بمعنى (على) ونحو ذلك، وهو كلام عربيٌ حقيقةً لا مجازًا. انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
إذًا في هذا النص إثبات صفة العلو.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وَقَوْلُهُ - صلى الله عليه وسلم: «وَالْعَرْشُ فَوْقَ الْمَاءِ، وَاللَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ وَهُوَ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ» ) . حديثٌ حسن (رَوَاهُ(( أَبُو دَاوُد ) )وَغَيْرُهُ) هذا الحديث العاشر في إثبات صفة العلو أيضًا كالحديث السابق. وهذا يُسَمَّى حديث (( الأوعال ) ). وفيه خلاف كبير بين أهل العلم، هذا رواه كما قال المصنف هنا حسنه شيخ الإسلام هنا وقواه في مناظرة على (( الواسطية ) ). قال: (رَوَاهُ(( أَبُو دَاوُد ) )وَغَيْرُهُ) من طريق سماك بن حرب عن عبد الله بن عميرة عن الأحنف بن قيس عن العباس به. وعبد الله بن عميرة فيه جهالةٌ كما قال الذهبي، وقال البخاريُ: لا يُعرف له سماعٌ من الأحنف بن قيس. وهذه علة التضعيف عند من ضعَّفه.