وفيه دليل على أن العرش فوق المخلوقات، وهو كذلك، وأنه ليس فوقه من المخلوقات شيء، بل فوقه الله عز وجل.
وفيه دليل على أن الله في السماء مستوٍ على العرش فلو كان في كل مكان لم يكن لهذا التخصيص معنى ولا فيه فائدة، وهو كذلك {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] قلنا: هذا علو خاص، أدلة إثبات العلو مُطلقة عامة، وأدلة الاستواء على العرش إثبات لعلو خاص، حينئذٍ لو كان في كل مكان ما فائدة هذه النصوص التي تدل على أن الله تعالى مستوٍ على العرش؟ هذا تخصيص، والتخصيص بلا داعٍ هذا يعتبر حشوًا ولغوًا، فلو كان في كل مكان لا فائدة من هذا التخصيص.
وفيه تفسير الاستواء بالعلو كما فسره الصحابة والتابعون والأئمة.
وفيها إثبات فوقيته سبحانه وتعالى وعلوه على خلقه.
وهذا الحديث صريح في فوقية الذات، فإن حقيقة الفوقية علو ذات الشيء على غيره، ومر معنا أن العلو والفوقية بمعنى واحد، وكل منهما ثلاثة أقسام، وقد تقدم ذكر أنواع الفوقية فله سبحانه الفوقية التامة والعلو الكامل المطلق، هذا مذهب أهل السنة والجماعة.
وفي هذا الحديث إثبات علمه المحيط بكل معلوم فلا تخفى عليه خافية.
وفيه الجمع بين الإيمان بعلوه على خلقه واستوائه على عرشه وبين الإيمان بإحاطة علمه بالموجودات كلها، وقد جمع بين الأمرين في عدة مواضع.
قال رحمه الله تعالى: (وَقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم - لِلْجَارِيَةِ: «أَيْنَ اللَّهُ» ؟ قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ. قَالَ: «مَنْ أَنَا» ؟ قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ: «أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
وهذا الحديث الحادي عشر، وفيه إثبات العلو أيضًا.
هذا الحديث رواه مسلم من حديث معاوية بن الحكم السُّلَمِي، وأخرجه أبو داود والنسائي وروى سببه بألفاظ متعددة، وفي بعض ألفاظه: عن الحكم بن معاوية السُّلَمِي قال: اطلعت على غُنَيْمَة ترعاها جاريةٌ لي قِبَلَ أُحُد والجوانية، فوجدت الذئب قد أصاب منها شاةً وأنا من بني آدم آسف كما يأسفون - يعني أغضب، اعتذر لنفسه - فصككتها صكةً، ثم انصرفت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته فعظم ذلك عليّ قال: قلت يا رسول أفلا أعتقها؟ قال: «بلى جئني بها» . قال: فجئت بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال لها: «أين الله» ؟ قالت: في السماء. قال: «من أنا» ؟ قالت: أنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال: «اعتقها فإنها مؤمنة» . قال الحافظ الذهبي في كتاب (( العلو ) ): هذا حديث صحيح، رواه جماعة من الثقات. قال: وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وغير واحد من الأئمة في تصانيفهم، يرونه كما جاء ولا يتعرضون له بتأويل ولا تحريف، ثم بَيّن الذهبي طرقه واختلاف ألفاظه. لا يتعرضون له بتأويل يعني يخالف ظاهره، ليس المراد أنه لا يُفسر على وفق سنن العرب، لا، إنما المراد لا يتعرضون له بما يخالف ظاهره.
فيه فوائد:
أولًا: فيه جواز السؤال عن الله بأين، وأين هذه يستفهم بها عن ماذا؟ عن المكان، إذًا الله عز وجل في مكان في العلو، فأين يُستفهم بها عن المكان.