قال ابن القيم رحمه الله تعالى دلّ الكتاب والسنة المتواترةُ وإجماع الصحابة وأئمة الإسلام وأهل الحديث على أن الله سبحانه يُرى بالأبصار عِيانًا بالعين كما يُرى القمر ليلة البدر صَحْوًا يعني ليس دونه سحاب، وكما تُرى الشمس في الظهيرةِ، فإن كان لذلك حقيقةٌ وأن الرؤية حقٌ فلا يمكن أن يروه إلا من فوقفهم لاستحالة أن يروه من أسفل منهم أو خلفهم أو أمامهم. إذًا هذا كذلك يدل على العلو لكن بدلالة الالتزام لأنه لو كان في الشيء الحاضر المشاهد بين المخلوقين لو كان الشيءُ أسفل أو يمين أو شمال أو إمام لحصل فيه التضام وحصل فيه التضار، لكن لما اتفقوا على عدم المضارة والمضامة حينئذٍ دل على أنهم يرونه في العلو.
قال رحمه الله تعالى: وإن لم يكن لذلك حقيقة كما يقول أفراخ الصابئة والفلاسفة والمجوس والفرعونية بطل الشرع والقرآن. انتهى كلام رحمه الله تعالى.
وفيه الرد على من زعم أن المراد بالرؤية الْعِلم، لأن (رَأَى) بمعنى علم تتعدى إلى مفعولين، تقول: رأَيْتُ زيدًا فقيهًا، رأَيْتُ فعل وفاعل زيدًا فقيهًا أصلها زيدٌ فقيهٌ، ودخلت عليها رأى حينئذٍ نصبت المبتدأ والخبر، أي عَلِمْتُ، فإن قلتَ: رأَيْتُ زيدًا نصبت مفعولًا واحدًا. إذًا ليس كل رأى يمكن أن يُدَّعَى بأنها عِلْمِيّة، وإنما يُنْظَرُ إلى ماذا؟ إلى ما بعدها، إن نصبت مفعولين فهي علمية، وإن نصبت مفعولًا واحدًا فهي بصرية، رأَيْتُ زيدًا، عَلِمْتُه؟ لا، وإنما رأيت زيدًا يعني بالبصر. رأَيْتُ زيدًا عالمًا فقيهًا. فحينئذٍ علمت زيدًا فقيهًا، حينئذٍ النظر يكون بماذا؟ بما بعده، وليس كل من ادَّعَى شيئًا في باب النحو والمعاني المتعلقة بالألفاظ يُسَلَّمُ لهم، وإِلاَّ ما الفائدة من القواعد التي يذكرها أهل اللغة. حينئذٍ إذا قال: رأى هذه علمية. نقول: (رأى) العلمية ليست مطلقة، وإنما هي مقيدة لها قاعدة، وهي أنها تنصب مفعولين، فأين المفعولان هنا؟ ليس عندنا مفعولان. إذًا إن قلتَ: رأيتُ زيدًا. لم يُفْهَمْ منه إلا رؤية البصر، ويزيد تحقيقًا قوله في الحديث: «إنكم سترون ربكم عِيانًا» يعني بالعين معاينةً لأن اقتران الرؤية بالعيان لا يحتمل أن يكون بمعنى العلم، يعني جاءت قرينة لفظية تدل على أن المراد بالرؤية هنا رؤيةٌ بصرية، فيرى العبد المؤمن ربه جل وعلا بعينه.
وفي الحديث كما تقدم دليلٌ على إثبات علو الله، وأنهم يرونه من فوقهم كما في حديث جابرٍ الذي رواه أحمد وغيره.
قوله: ( «فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا» ) هذا توجيهٌ وإرشادٌ من النبي - صلى الله عليه وسلم - كأن هذا الفضل الذي سيذكره من ثوابه الكائن يوم القيامة أو في الجنة لمن اتصف بهذا الوصف ( «فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا» ) يعني لا تصيروا مغلوبين بالاشتغال عن صلاتي الصبح والعصر فهي المراد في الحديث كما في (( صحيح مسلم ) ). ففي هذا الحديث دليلٌ على فضل هاتين الصلاتين الفجر والعصر، وأن المحافِظ عليهما حقيقٌ بأن يرى ربه يوم القيامة - وهذه الفائدة من ذكر هاتين الصلاتين في هذا الحديث - فإن المحافِظ عليهما حقيقٌ وجديرٌ بأن يرى ربه يوم القيامة.