قال بعض العلماء: ووجه مناسبة ذكر هاتين الصلاتين عند ذكر الرؤية أن الصلاة أفضل الطاعات، وقد ثبت أن لهاتين الصلاتين من الفضل على غيرهما ما ذُكِرَ من اجتماع الملائكة فيهما ورفع الأعمال وغير ذلك، فهما أفضل الصلوات فناسب أن يُجَازَى عليهما بأفضل العطايا، وهو النظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى.
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: (إِلَى أَمْثَالِ هَذِهِ الأَحَادِيثِ) بعدما ذكر شيئًا، قلنا: هذه الأحاديث لم يستوعب المصنف رحمه الله تعالى كل ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مما تضمن اسمًا للباري جل وعلا أو صفةً له كما أنه لم يستوعب ما جاء في القرآن من الآيات الدالة على إثبات الأسماء والصفات، ولذلك قال: (إِلَى أَمْثَالِ هَذِهِ الأَحَادِيثِ الَّتِي يُخْبِرُ فِيهَا رِسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَن رَّبِهِ بِمَا يُخْبِرُ بِهِ؛ فَإِنَّ الْفِرْقَةَ النَّاجِيَةَ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ يُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ، كَمَا يُؤْمِنُونَ بِمَا أَخْبَرَ اللهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلا تَعْطِيلٍ، وَمِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلاَ تَمْثِيلٍ) وهذا في جملته أعاد ما بدأه في هذا الفصل بأن ما وصف النبي - صلى الله عليه وسلم - به ربه وجب الإيمان به كذلك كما وجب الإيمان بالقرآن.
قوله: (إِلَى أَمْثَالِ هَذِهِ الأَحَادِيثِ) يعني انظر إلى أمثال هذه الأحاديث أي أشباه هذه الأحاديث التي أوردها المصنف رحمه الله تعالى، فما كان مثلها ثبوتًا ودلالة فحكمه حكمها، مثلها ثبوتًا يعني لا بد أن يكون ثابتًا - هذا شرط - دلالةً أنه يصح الاستدلال به لأن النص لا يلزم منه في الاستدلال على الحكم أن يكون صحيحًا فحسب، وإنما لا بد من النظر في ماذا؟ هل النص ثابتٌ أم لا؟ ثم إذا ثبت حينئذٍ هل الاستدلال به على هذا الحكم الشرعي صحيح أم لا؟ ولذلك قال: يستدل بعض أهل العلم في العمليات ببعض النصوص ولا يُسَلَّمُ له، لماذا لا يسلم له؟
مع كون هذا النص آية، فالآية ثابتة ولا إشكال فيه، ومع كونه هذا النص قد يكون حديثًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو صحيح ولا يُسَلَّمُ له، لأن الخطأ كائنٌ في ماذا؟ في الاستدلال به، فحينئذٍ لا يلزم في كل قولٍ أن يكون مستندًا في ظاهره إلى وحيٍ أن يكون القول صحيحًا، ولذلك مر معنا مرارًا أن كل مبتدعٍ في الإسلام لا بد وأن يُقَوِّمَ بدعته بنصٍّ من كتابٍ أو سنة، لا يأتي المبتدع يقول: هذه بدعة ودليلها عقلي، أو دليلها العادات والتقاليد. لأن الذي يؤصل إنما هم أهل العلم، فيأتي حينئذٍ بالبدعة ولا بد أن يأتي بشيءٍ يشبه ذلك اللفظ فحينئذٍ يدخله في النص. وذلك من قال بأن القرآن مخلوق استدل بالقرآن، من نفى الرؤية استدل بالقرآن، من نفى كلام الباري جل وعلا استدل بالقرآن، فكل صاحب بدعةٍ لا بد وأن يُتَوِّجَ بدعته بماذا؟ بنصٍ من كتابٍ أو سنة، فليس كل من استدل بنص قلنا الحكم مُسَلَّمٌ له، لا، بل لا بد أن يستقيم الدلالة، والدلالة إنما تكون بواحدٍ من الأدلة السابقة: إما دلالة مطابقة، وإما دلالة تضمن، وإما دلالة التزام.