أراد بهذا الفصل الجمع بين الصفتين. قال: مما يدخل في الإيمان بالله الإيمان بأسماء وصفاته، وهذا سبق تقريره، ومن ذلك ما سبق إثباته من الصفات في الآيات والأحاديث الماضية: العلو على العرش، والمعية. هاتان الصفتان أم لا؟ نقول: نعم صفتان: العلو على العرش استواءٌ يليق بجلاله جل وعلا، وكذلك المعية. أراد المصنف في هذا الفصل الذي عقده أن يبين الجمع بين تلك الصفتين: العلو، والمعية. وأراد به كذلك الرد على من زعم أن ثَمَّ تعارضًا بين الأمرين كيف يكون منفصلًا عن خلقه مستويًا على عرشه، ثم يكون معهم في كل مكان؟ هل بينهما تعارض؟ فَهِمَ البعض التعارض لأنه مَثَّلَ واعتقد التمثيل أولًا أن المخلوق لا يمكن أن يكون عاليًا [قريبًا] بعيدًا قريبًا فلما أنف عقله ذلك المعنى نفاه عن الباري جل وعلا، وكل من نفى صفة عن الله تعالى فقد مَثَّلَ أولًا، ولم يدرك بعقله حقيقة تلك الصفة ولم يَكِلِ التكييف تكييف الصفة إلى الباري جل وعلا وحينئذٍ وقع في التمثيل [ولا بد من النفي دفعًا لل] لا بد من النفي لتنزيه الباري جل وعلا عن ذلك المعنى. قوله رحمه الله تعالى: (وَقَدْ دَخَلَ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ) أي وقد دخل في الإيمان بالله الإيمان بعلوه سبحانه وفوقيته واستوائه على العرش، فمن لم يؤمن بعلوه وفوقيته لم يؤمن به جل وعلا، ولم يُصَدِّقْ رسله ولم يؤمن بكتابه، بل هو مكذبٌ بالقرآن مكذبٌ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - مكذبٌ للإجماع، ومر معنا أن من لم يُثبت العلو الذاتي للباري جل وعلا فأدلة الكتاب والسنة، بل مما يُعلم من الدين بالضرورة أنه كافرٌ مرتد عن الإسلام لتكذيب الكتاب والسنة، ولذلك لم يؤمن بعلوه من نفاه، ولم يصدق رسله ولم يؤمن بكتابه وبما جاء به رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -، وكل ذلك يُعتبر من النواقض التي توجب انتفاء الإيمان عن من وقع فيها. ولذلك قال إمام الأئمة ابن خزيمة رحمه الله تعالى - اسمع ماذا يقول - يعني من كفر من لم يثبت العلو الذاتي ليس هذا القول محدثًا، يعني لا يشترط أن يكون جمهور أهل العلم المتقدمين أو المتأخرين أن يكفروا من أنكر العلو، اسمع ماذا يقول ابن خزيمة رحمه الله تعالى: (من لم يقر بأن الله على عرشه استوى فوق سبع سماوات وأنه بائنٌ من خلقه فهو كافرٌ يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه وأُلْقِي على مزبلةٍ لئلا يتأذى بريحه أهل القبلة وأهل الذمة) . يعني أنه كافرٌ مرتدٌ عن الإسلام، وصان ليس المسلمين فحسب عن التأذي برائحته، وإنما حتى أهل الذمة، ولذلك ضُرِبَتْ عنقه - يعني ردةً عن الإسلام- فمن أنكر الاستواء فهو مكذبٌ لله تعالى، لأن الله تعالى قال في سبعة مواضع: ... {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} فإذا قال: لم يستو فقد كذب الله تعالى، وهذا يعتبر ناقضًا من نواقض الإسلام.