قال رحمه الله تعالى: (بِمَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ، وَتَوَاتَرَ عَنْ رَسُولِهِ) - صلى الله عليه وسلم - يعني فيما أخبر الله تعالى في كتابه عن نفسه بأنه استوى على العرش، وأخبر أو تواتر عن رسوله - صلى الله عليه وسلم - بأن ربه جل وعلا مستوٍ على العرش، فما أخبر الله به كما قال سبحانه: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [الأنعام: 18] وقوله سبحانه: {يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ} [النحل: 50] إلى غير ذلك من الآيات الصريحة في إثبات العلو التام بجميع أنواعه والفوقية، وقد تقدم ذكر أنواع العلو والفوقية، وأدلة إثبات العلو والفوقية متواترة وانضم إلى ذلك شهادة الفطر والعقول المستقيمة والنصوص الواردة الدالة على علو الله تعالى، وكونه فوق عباده تقرب من عشرين نوعًا، وإفراد هذه الأنواع لو بسطت لبلغت نحو ألف دليل كما ذكره الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، يعني تواترت الأدلة في الكتاب والسنة على نحو عشرين نوعًا، وهذه الأنواع كل نوعٍ يدخل تحتها ما لا حصر من الآيات والأحاديث تدل على أن الباري جل وعلا في العلو، والمراد به العلو الذاتي، يعني بذاته جل وعلا مستوٍ على عرشه، من نفى ذلك كَذَّبَ هذه الأدلة كلها.
قوله: (وَتَوَاتَرَ عَنْ رَسُولِهِ) يعني ما أخبر به الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن ربه بأنه مستوٍ على عرشه هذا متواتر، والتواتر في اللغة التتابع بعلوٌ. اصطلاحًا خبر عددٍ يمتنع معه لكثرته تواطؤٌ على الكذب عن محسوسٍ. يعني التواتر عند أرباب الاصطلاح عند المتاخرين وإلا المراد به عند السلف أن الحديث إذا كثر رواته وتعدد مخارجه وأسانيده يُسمى ماذا؟ يُسمى متواترًا، سواء انتهى إلى محسوس أو لا، ولا يُشترط فيه أن ينتهي إلى محسوس، حينئذٍ نقول: هذا الحديث متواتر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. والتواتر كما مر معنا موجودٌ في كلام السلف، فالسنة: إما متواتر وإما آحاد.
وينقسم المتواتر إلى قسمين:
الأول: لفظي. وهو ما اشترك عدده في لفظٍ بعينه، وذلك حديث «من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» . على خلافٍ في هذا الحديث هل هو متواتر لفظًا أم لا، رواه نَيِّفٌ وستون منهم العشرة.
والثاني: معنويٌ. بأن يتواتر معنى في ضمن أحاديث مختلفة الألفاظ متحدة المعنى، وهذا واضحٌ بَيِّن.