الصفحة 769 من 883

الله عز وجل.

إذًا ماذا نقول؟

آمنا وصدقنا.

وأي وَهَمٍ وظَنٍّ فاسدٌ في العقول يجب نفيه، لأن هاتين الصفتين أثبتهما الله تعالى لنفسه، وكلاهما حقٌّ ولا تناقض بين الحق البتة، فأي تناقضٌ بين فأي تناقض بين إثبات الصفتين فهو لفساد العقل عند ذلك المتصور. قال: ( {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} ) .

ثم قال رحمه الله تعالى: (وَلَيْسَ مَعْنَى قَوْلِهِ: {وَهُوَ مَعَكُمْ} أَنَّهُ مُخْتَلِطٌ بِالْخَلْقِ، فَإِنَّ هَذَا) المعنى للمعية (لَا تُوجِبُهُ اللُّغَةُ وَهُوَ خِلَافُ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ. وَخِلَافُ مَا فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْخَلْقَ) إذًا أثبت الصفتين، وبَيَّنَ أنه لا تنافِيَ بن الصفتين وبأن من فَهِمَ من قوله: ( {وَهُوَ مَعَكُمْ} ) أنه مختلطٌ بالخلق فقد خالف ما تقتضيه اللغة، بل خالف ما لا توجبه اللغة، وخالف ما أجمع عليه سلف هذا الأمة، وخالف كذلك الفطرة التي فطر الله الناس عليها. قوله رحمه الله تعالى: (وَهُوَ سُبْحَانَهُ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا؛ يَعْلَمُ مَا هُمْ عَامِلُونَ) أي سبحانه مع عباده بعلمه وإحاطته واطلاعه ومشاهدته، لا يخفى عليه منهم شيء، ومعيته سبحانه لعباده لا تنافي علوه وفوقيته، فإنه أي فإن الله سبحانه وتعالى جمع بينهما كما أشار إلى ذلك المصنف بقوله: (كَمَا جَمَعَ بَيْنَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} ) فبدأها بالعلم في قوله: ( {يَعْلَمُ} ) وختمها بالعلم في قوله: ( {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} ) ومر معنا أن من معاني البصير يعني عليم، حينئذٍ بدأها بالعلم وختمها بالعلم ووسط بينهما جملة ( {وَهُوَ مَعَكُمْ} ) ، فدل على أن المراد بالمعية هنا معية العلم، فصار تفسير المعية بما دلت عليه أول الآية وآخر الآية صار تفسيره عند السلف أنها معية علمٍ، وهذه هي المعية العامة كما مر معنا، فأخبر سبحانه أنه خلق السماء والأرض، وأنه استوى على عرشه، وأنه مع خلقه يبصر أعماله من فوق عرشه، ولا تنافي بين ذلك البتة. فَعُلُوُّه سبحانه وتعالى لا يناقض معيته، ومعيته لا تبطل عُلُوَّهُ، بل كلاهما حقٌّ، وهذه الآية من أدل شيءٍ على مباينة الرب لخلقه، يعني مفاصلة الباري جل وعلا عن خلقه، ولذلك جاء في عبارات بعض السلف {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} بائنٌ من خلقه، بمعنى ماذا؟ أنه منفصلٌ عن خلقه، ليس من ذاته شيءٌ في خلقه، وليس من خلقه شيءٌ في ذاته، مباية مفاصلة من أتم الوجوه.

قال هنا: فإنه لم يخلقهم في ذاته - وهذا محل وفاق - بل خلقهم خارجًا عن ذاته، ثم بان عنهم انفصل باستوائه على العرش وهو مع ذلك يعلم ما هم عليه وينفذ بصره فيهم، ويحيط بهم علمًا وقدرةً وسمعًا وبصرًا.

وفي هذه الآية كغيرها إثبات علو سبحانه وتعالى واستوائه على عرشه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت