الصفحة 772 من 883

قوله: (فَإِنَّ هَذَا لَا تُوجِبُهُ اللُّغَةُ) ، (هَذَا) أشار به إلى ماذا؟ إلى كونه مختلطًا بالخلق (لَا تُوجِبُهُ اللُّغَةُ) في فهم لفظ (مع) يعني لا يلزم منه، هي محتملة له لكنه ليس بلازمٍ، فلا يتعين حينئذٍ يعني في لغة العرب لا تُوجب أن (مع) تفيد اختلاطًا أو امتزاجًا أو مجاورةً، بل (مع) في لسان العرب لمطلق المصاحبة ومصاحبةُ كل شيءٍ بحسبه هذا الذي يفهم من لسان، العرب أن لفظ (مع) تدل على ماذا؟ على المصاحبة، والمراد مطلق المصاحبة، ثم قد تكون المصاحبة بممازجة، وقد تكون بلا ممازجة قد تكون بمجاورة وقد تكون بلا مجاورة، وأما أن يتعين حمل اللفظ على الممازجة والمجاورة فهذا غلطٌ على اللغة، لا يفهم من لسان العرب والحكم حينئذٍ هو الاستقراء والتتبع لما نُقِلَ عن العرب فإن هذا لا توجبه اللغة فلا يتعين، أي لغة العرب لا توجب أن مع نفيد اختلاطًا أو امتزاجًا أو مجاورةً، فإن (مع) في كلام العرب للصحبة اللائقة يعني كل شيء بحسبه لا تشعر بامتزاجٍ ولا اختلاطٍ ولا مماسة ولا مجاورةٍ، فتقول: زوجتي معي. لو قال قائل الآن منكم: زوجتي معي. هل يقتضي المجاورة الآن؟ لا يقتضي، وإنما المراد به معي يعني في العصمة، إذًا معية كل شيءٍ بحسبه، هل المصاحبة موجودة؟ نقول: نعم اللفظ دل على مطلق المصاحبة، لكن لا يلزم من ذلك المجاورة أن تكون معه، فلو قال: زوجتي معي، وهي في مكانٍ وأنت في مكان، فحينئذٍ لا يقتضي المجاورة، كذلك يقول القائل: ما زلنا نسير والقمر معنا. القمر في ليلةٍ واحدة هذا في جدة وذاك في مكة وذاك في الطائف كل منهما يسير ويقول: القمر معنا، معنا يعني معنا نازل على الأرض؟ لا، وإنما ثَمَّ مصاحبة بينهما هذه المصاحبة لا تقتضي أن يكون مجاورة ومازجة ومخالطة، وهذا معنًى صحيحٌ منقول عن العرب لا زلنا نسير والقمر معنا. ومع ذلك لم يقتضِ الممازجة، وكذلك قال الله تعالى: {وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ} ... [التوبة: 119] ، {كُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ} أنتم {مَعَ الصَّادِقِينَ} وأنتم مع الصادقين وأعلى الصادقين مَنْ. محمدٌ - صلى الله عليه وسلم -، ثم الصحابة، ثم من بعدهم. فحينئذٍ إذا جاء كن مع الصادق، تكون معه في ماذا؟ في طريقة في منهجه ومحمدٌ - صلى الله عليه وسلم - بينك وبينه مفاوز، وكذلك الصحابة بينك وبينهم مفاوز، والمعية لا تقتضي المجاورة، ولا الاختلاط، ولا الممازجة، والعبارة صحيحة وجاءت في كتاب الله جل وعلا {وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ} يعني كونوا معهم يعني في صحبتهم ومن الصادقين صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن معهم مع تفاوت ما بينا في الزمان، والتفاوت فيما بين الأبدان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت