فإذًا المعية تفيد مطلق الاشتراك والمقارنة والمصاحبة، فليس في هذا ما يدل على الاختلاط والامتزاج، [نعم] فكيف تكون حقيقة المعية في حق الرب جل وعلا؟ إذا كانت المعية في حق المخلوق لا تقتضي الممازجة والاختلاط، فكيف المعية في حق الباري جل وعلا الذي الباري جل وعلا منفصلٌ عن المخلوق بذاته وصفاته؟ فلا يكون شيء منه داخل مخلوقاته، ولا يكون شيءٌ من مخلوقاته في ذاته، فالمفاصلة حينئذٍ تكون أكد، فليس في ذلك ما يدل على أن ذاته فيهم ولا ملاصقة لهم ولا مجاورة بوجه من الوجوه، وغاية ما تدل عليه المصاحبة، وهي في كل موضعٍ بحسبه، ولم يقل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى لا تقتضيه اللغة، لأن اللغة قد تقتضي الاختلاط بلفظ (مع) مثل ماذا؟ إذا قلت: ماء مع اللبن، يعني صار ماذا؟ وضعت ماءً مع اللبن، اختلط أو لا؟ اختلط حينئذٍ نقول: هنا اقتضت المخالطة والاختلاط، لكن لا توجبه، بمعنى أنه لا يُفهم معنى المخالفة في كل موضع، بل تقتضي ممن حيث المعنى العام مطلق المصاحبة، ومصاحبة كل شيء بحسبه، مصاحبة المخلوق للمخلوق بحسبه، ومصاحبة الخالق للمخلوق بحسبه جل وعلا.
قوله: (وَهُوَ خِلَافُ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ) أي أن ما زعمه أهل البدع أنه سبحانه في كل مكانٍ بذاته، أو أنه مختلط بالخلق ممتزجٌ بهم على الحلول، أو حال فيهم إلى غير ذلك من الأقوال المبتدعة المخالفة لما عليه السلف الصالح، فإن السلف الصالح أجمعوا وهذا المراد هنا أجمعوا على أن الله تعالى سبحانه مستوٍ على عرشه، عالٍ على خلقه بائنٌ منهم، لم يرد لفظ بائن في الكتاب ولا في السنة، أليس كذلك؟ وقلنا: هذه الأوصاف التي لم ترد في الكتاب والسنة إن دل عليها اللفظ إما بالتضمن، وإما بالالتزام، فالأصل عدم التصريح بها إلا في مقام المناظرة والرد على أهل البدع. فالقول بأن الباري جل وعلا مستوٍ على عرشه بذاته، بذاته ما قاله الله تعالى ولا قاله الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولا قاله أحدٌ من الصحابة هل إذا صرحنا بذلك نقول محرفين؟
الجواب: أن فيه تفصيلًا:
-فنقول: إذا لم يكن ثَمَّ ردٌّ على أهل البدع، أو ليس المقام مقام تعليم فالأصل التوقف في اللفظ، لأن ما لم يرد والمعنى صحيح فالأصل عدم ذكر اللفظ.
-وإن كان في مقام الرد فيجب ذكره للرد على المخالف. ولذلك قال السلف باتفاق: أن الله تعالى مستوٍ على عرشه بذاته، فزادوا كلمة بذاته، بائنٌ - وهي من البينونة وهي الانفصال من خلقه. وهذا اللفظان مما يدل عليهما لفظ الاستواء والعلو بالتضمن أو بالالتزام. قال هنا: السلف أجمعوا على أن الله سبحانه مستوٍ على عرشه عالٍ على خلقه بائنٌ منهم، ليس في ذاته شيءٌ من مخلوقاته، ولا في مخلوقاته شيءٌ من ذاته، وهذا محل وفاقٍ بين أهل السنة والجماعة، كما تواتر بذلك الأدلة.