الصفحة 774 من 883

وقد تقدم أيضًا ذُكر إجماع السلف على (مَعْنَى قَوْلِهِ: {وَهُوَ مَعَكُمْ} ) أنه معهم بعلمه. قال أبو بكر الآجري إمام عصره في الحديث والفقه: فإن قال قائلٌ فما معنى قوله: ( {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} [المجادلة: 7] .) رابعهم معهم يعني في المكان؟ لا، وإنما المراد به ماذا؟ معهم بعلمه، هذا المراد. قيل له: علمه معهم والله على عرشه وعلمه محيطٌ به. لا تناقض بين الأمرين فهو جل وعلا مستوٍ على عرشه، وهو معهم بعلمه لا تخفي عليه خافية البتة [والآية] وكذا فسره أهل العلم، والآية تدل أولها وآخرها على أنه العلم وهو على عرشه هذا قول المسلمين. وأما غير المسلمين فلهم كلامٌ آخر.

قال رحمه الله تعالى: (وَخِلَافُ مَا فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْخَلْقَ) هذا دليلٌ ثالث هذا دليلٌ ثالث أو رابع؟ كتاب، تواترت السنة، خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة، هذه زادت أدلة. الرابع دليل الفطرة (خِلَافُ مَا فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْخَلْقَ) فطر أي خلق ابتداءً، ومنه فاطر السماوات، أي أن تزعمه من أنه سبحانه مختلطٌ بالخلق أو حالٌ فيهم خلاف ما فطر الله عليه الخلق، فإن الخلق فطروا على الإقرار بعلوه سبحانه على خلقه، وإنما جاءت الرسل بتقرير ما في الفطر والعقول فالعقل الصحيح لا يخالف النقل الصريح، فهما متفقان، ولما سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - الجارية لم تكن عالمةً قال له: «أين الله» ؟ قالت بجواب الفطرة في السماء يعني في العلو. فقال يزيد بن هارون: من زعم أن {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} على خلاف ما تقرر في قلوب العامة فهو جهميٌّ. بمعنى أن ما تقرر في قلوب العامة هو أن الله تعالى في العلو، فإذا نفى ذلك الجهمي فحينئذٍ من اعتقد خلاف ما عليه العامة فهو جهمي، لأنه سيعتقد أن الله تعالى في كل مكان.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: والذي تقرر في قلوب العامة هو ما فطر الله عليه الخليقة من توجهها إلى ربها عند النوازل والشدائد إليه تعالى نحو العلو، يعني إذا أصابت المسلم العامي الضائقة فأراد أن يسأل ربه أين يذهب، يذهب يمين وشمال أن يذهب بقلبه وروحه ودمه إلى العلو؟ إلى العلو، إذًا هذا أمر فطري استوى فيه العالم والعامي، حينئذٍ من قال بأن الله تعالى في كل مكان خالف ما فطر الله تعلى عليه العامة.

قال هنا: لا تلتفت يمنة ولا يسرة من غير موقفٍ وقفهم عليه. يعني ما جاءهم دليل، ما جاءهم معلم يُبَيّن لهم أن الله تعالى في العلو، بل مباشرةً تصيبه الضائقة يتجه بقلبه وروحه إلى العلو، ولكن فطرة الله التي فطر الناس عليها، وما من مولودٍ إلا وهو يولد على هذه الفطرة حتى يُجَهِّمَهُ وينقله إلى التعطيل من يُقَيَّضُ له، فتكون أدلة على الله جل وعلا على خلقه بذاته أربعة أنواع من الأدلة وهي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت