الكتاب، والسنة، والإجماع وهو قطعي، والفطرة وهو دليلٌ حِسِّيّ لا يمكن إنكاره البتة. كلها قطعية فذكر أولًا دليل الكتاب، قال: أخبر الله به في كتابه، وهذا تواتَر النقل به، تواتُر النقل به معلوم، كذلك تواتر السنة، والإجماع، ثم ذكر الفطرة. قال: (وَخِلَافُ مَا فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْخَلْقَ) وهذا الذي يسمى الدليل الفطري.
ثم ضرب المصنف بعد ما بَيَّن أنه لا تنافي بين إثبات العلو وإثبات المعية، أراد أن يبين من المثال الحسيّ لينتقل به إلى المعنى المطلوب والأصل المقصود. ثم ضرب المصنف مثلًا تقريبًا للمعنى فقال: (بَلْ(الْقَمَرُ) آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، مِنْ أَصْغَرِ مَخْلُوقَاتِهِ، وهُوَ مَوْضُوعٌ فِي السَّمَاءِ، وَهُوَ مَعَ الْمُسَافِرِ، وَغَيْرِ الْمُسَافِرِ أَيْنَمَا كَانَ) هل يلزم من ذلك أن يكون مختلطًا بهم؟ لا، فإنما يقول: المسافر ما زلنا نسير والقمر معنا، ويقول: المقيم القمر معنا. وكلاهما صادقان، ولفظ المعية هنا لا يقتضي الاختلاط، فحينئذٍ نقول: هذا الذي يقتضيه معنى ( {وَهُوَ مَعَكُمْ} ) .
قوله رحمه الله تعالى: (بَلْ(الْقَمَرُ) آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ) بل هنا للإضراب الانتقالي، والآية لغةٌ العلامة، والآية والدليل والبرهان والسلطان والحجة ألفاظ متقاربة، والمراد أن القمر من الآيات الدالة على وجوده سبحانه وعظيم قدرته، لأنه آية أي علامة، علامة على ماذا؟ على وجود الخالق جل وعلا. إذًا السماوات آيات، والأراضون آيات، والقمر آية. إذًا آيةٌ على ماذا؟ على وجود الخالق.
وفي كل شيءٍ له آية ... تدل على أنه واحدٌ
إذًا القمر من الآيات الدالة على وجوده سبحانه وعظيم قدرته وأنه مستحق للعبادة كما قال سبحانه: {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} [فصلت: 37] ، {اللَّيْلُ} هذا مبتدأ {وَمِنْ آيَاتِهِ} هذا خبر مقدم، وقد أقسم الله سبحانه بالقمر الذي هو آية الليل، وفيه من الآيات الباهرة الدالة على ربوبية خالقه وبارئه وحكمته وعلمه ما هو معلومٌ بالمشاهدة، ومعلومٌ أن الآيات تنقسم إلى قسمين:
-آياتٌ مشاهدةٌ مرئية، كالسموات والأرض والشمس والقمر، ونحو ذلك.
-وآياتٌ مسموعة وهي متلوة كالقرآن.
وكذلك السنة فإنها مبينةٌ ومقررة لِمَا دل عليه القرآن فآياته العيانية في خلقه تدل على صدق آياته المسموعةٍ متلوة كما قال سبحانه: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [فصلت: 53] . أي أن القرآن حقٌ فأخبر أنه يدل بآياته المرئية على صدق آياته المتلوة المسموعة.
إذًا الآيات نوعان:
مرئية مشاهدة، ومسموعة متلوة.