المرئية المشاهدة تدل على صدق المتلوة المسموعة، والقمر آية من تلك الآيات. قوله: (وَهُوَ مَوْضُوعٌ فِي السَّمَاءِ) أي القمر موضوعٌ في السماء الدنيا (وَهُوَ مَعَ الْمُسَافِرِ) . (الْمُسَافِرِ) اسم فاعل من السفر وهو لغة قطع المسافة من أسفر إذا بَرَزَ، ومنه السِّفْرُ وهي الكتب لأنه يُسْفِرُ عما فيه، قيل سُمِّيَ السَّفَرُ بالفتح سفرًا لأنه يُسْفِر عن أخلاق الرجال، هكذا قيل وَأَسْفَر يأتي بمعنى البينونة، ولذلك الأصح أنه إذا خرج عن البلدة حينئذٍ ظهر وبان، فقيل عنه: أنه مسافر. (وَهُوَ مَعَ الْمُسَافِرِ، وَغَيْرِ الْمُسَافِرِ أَيْنَمَا كَانَ) أي القمر مع المسافر وغير المسافر. فإنه يقال: ما زلنا نسير والقمر معنا، وهو أي النجم والقمر في مكانه غير مختلطٍ بهم ولا محازر ولا مماسٍ ولا مجاورٍ، ولا يفهم أحدٌ منه هذا، هذه لغة العرب المعروفة لديهم. إذا قال القائل: ما زلنا نسير والقمر معنا لا يتبادر إلى ذهنه أن القمر معهم في السيارة، أليس كذلك؟ هذا واردٌ، فحينئذٍ نقول: لا يُفهم من هذا اللفظ الاختلاط، بل لا يرد أصلًا، فإذا كان هذا القمر الذي هو من أصغر مخلوقات الله ولذلك عبر عنه شيخ الإسلام بكونه أصغر، لأنه أصغر من ماذا؟ من السماوات والأرض، فكيف تكون حقيقة المعية في حق الربّ ذلك، فإن غاية ما تدل عليه (مع) المصاحبة وهي في كل موضعٍ بحسبه، وقد ضرب النبي - صلى الله عليه وسلم - مثلًا بذلك بالقمر، ولله المثل الأعلى، ولكن المقصود بالتمثيل بيان جواز هذا وإمكانه، لا تشبيه الخالق بالمخلوق. يعني هذا الذي ذكره شيخ الإسلام له أصلٌ في السنة لكون شبه شيخ الإسلام هنا ماذا؟ المعية بالمعية، ولكن لا يقتضي ماذا؟ المماثلة من كل وجهٍ، فالقمر فلا زلنا نسير والقمر معنا ولا يقتضي اختلاطًا، لا زلنا نسير والله معنا لا يقتضي اختلاطًا، فالمراد هنا مطلق المعية وفهم كلمة (مع) في لسان العرب.
النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما منكم من أحدٍ إلا سيرى ربه مخليًا به» . خاليًا به فقال أبو رزين العقيلي: كيف يا رسول الله وهو واحدٌ ونحن جمعٌ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «سأنبئك بمثل هذا في آلاء الله، هذا القمر كلكم رآه مخليًا به» . كل واحد يراه وحده خاليًا، «وهو آيةٌ من آيات الله، فالله أكبر» أو كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - (فشبه الرؤية بالرؤية) وإلا لم يكن المرئي مشابهًا للمرئي كما مر معنا في باب الرؤية، فالمؤمنون إذا رأو ربهم يوم القيامة وناجوه كلٌ يراه فوقه قبل وجهه كما يرى الشمس والقمر ولا منافاة أصلًا. قال ابن القيم رحمه الله تعالى على حديث أبي رزين: وفيه القياس في أدلة التوحيد والمعاد، لكنه قياس الأولى لا التمثيل ولا الشمول، والقرآن مملوءٌ منه، وفيه أن حكم الشيء حكم نظيره. وهو كذلك.