الصفحة 778 من 883

قوله رحمه الله تعالى: (وَهُوَ سُبْحَانَهُ فَوْقَ عَرْشِه) . كما مر معنا مرارًا {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] في سبع مواضع من القرآن وقال تعالى: {يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ} [النحل: 50] ، {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [الأنعام: 18] . وسبق ذلك في إثبات أدلة العلو في الكتاب والسنة وهي متواترة، وتواطأ على ذلك دليل العقل والفطرة. قوله: (رَقِيبٌ عَلَى خَلْقِهِ) . سبحانه فوق عرشه، ومع ذلك رقيبٌ على خلقه. قال الله سبحانه: {إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1] . أي أنه سبحانه مراقبٌ لأحوالكم وأعمالكم لا يخفى عليه خافيةٌ. إذًا الرقابة صفةٌ لله عز وجل، ولا تقتضي مخالطةً فهو مستوٍ على عرشه وهو رقيبٌ يراقب خلقه، فيه تنافي؟ لا تنافي البتة عند ما آمن بالله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، وفي ذلك إرشادٌ وحثٌّ على مراقبة الله واستحضار قربه كما في الحديث الذي مر معنا ... (أَفْضَلُ الْإِيمَانِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ مَعَكَ حَيْثُمَا كُنْتَ) إذًا رقيبٌ على خلقه مهيمن عليهم. قال ابن عباس وغير واحدٍ: المهمين أي الشاهد على خلقه بأعمالهم، بمعنى هو رقيبٌ عليهم يعني متقاربان من حيث المعنى، كقوله: {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [المجادلة: 6] يقال: هَيْمَنَ يُهَيْمِنُ فهو مُهَيْمِن إذا كان رقبيًا على الشيء وهو كذلك بمعنى قوله: (مُطَّلِعٌ إلَيْهِمْ) . فالألفاظ متقاربة المعاني (إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَعَانِي رُبُوبِيَّتِهِ) ، فإن ربوبيته سبحانه إنما تتحقق بكونه فعالًا مدبرًا متصرفًا في خلقه يعلم ويُقدر ويسمع ويبصر، فإذا انتفت أفعاله وصفاته انتفت ربوبيته. إذًا لا تنافي بين هذه المعاني كلها. قوله: (وَكُلُّ هَذَا الْكَلَامِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ مِنْ أَنَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ، وَأَنَّهُ مَعَنَا، حَقٌّ عَلَى حَقِيقَتِهِ) . وأراد به الرد على من اتهم أهل السنة والجماعة بأنهم يتهمون المخالف بالتحريف وهم كذلك يقعون في التحريف، فبيَّن رحمه الله تعالى أن معنى مع لا يلزم منها المخالطة، أهل البدع قالوا: تقتضي المخالطة، ثم صرفتم اللفظ عن ظاهره فسرتموه بماذا؟ بالعلم وهذا تحريفٌ وتأويل تنكرون علينا التحريف والتأويل وأنتم تقعون في التحريف والتأويل. قال: (حَقٌّ عَلَى حَقِيقَتِهِ) . فيجب اعتقاده والإيمان به لتواطؤ الأدلة على إثباته، والحق في اللغة هو الثابت الذي لا يسوغ إنكاره. وفي اصطلاح أهل المعاني: هو الحكم المطابق للواقع. يُطلق على الأقوال والأديان والعقائد والمذاهب باعتبار اشتماله على ذلك ويقابله الباطل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت