(حَقٌّ عَلَى حَقِيقَتِهِ) عرفنا المراد بالحق أنه هو الثابت، والحقيقة أراد بها شيخ الإسلام هنا ما يقابل المجاز، لأن القوم هنا يجادلون بالمجاز في هذه المعاني، فالحقيقة اسمٌ لما أريد به ما وُضِعَ له فَعِيلَةٌ من حَقّ الشيء إذا ثبت بمعنى فَعِلَ، والاصطلاح كلمةٌ مستعملةٌ فيما وُضِعَتْ له في اصطلاح التخاطب به، وهذا يعرف بعلم البيان هنا، تتقابل الحقيقة والمجاز، فأراد رحمه الله تعالى أن يبين أن هذه المعاني المذكورة إنما هي على حقيقتها فلا يُدَّعَى فيها المجاز البتة. ولذلك قال: (لَا يَحْتَاجُ) ذلك المعنى الذي ذكره الله عز وجل من اقتباس الصفتين (لَا يَحْتَاجُ إلَى تَحْرِيفٍ) يعني لا يحتاج أن نصرف معنًى الفوقية إلى فوقية القدر من أجل أن نوفق بين اللفظين الصفتين كما ادَّعَاه أهل التحريف والتعطيل، بل هي فوقية ذاتٍ وقدرٍ. كما لا يحتاج أن نصرف معنى المعية عن ظاهرها بل نقول: هي حقٌ على ظاهرها، ومن فسرها يغير حقيقتها فهو محرف، ومن قال بأن معنى المعية الامتزاج والاختلاط فهو محرفٌ مكذبٌ للنص. قوله: (وَلَكِنْ يُصَانُ مِن الظُّنُونِ الْكَاذِبَةِ) . لكن هذا حرف استدراك، و (يُصَانُ) أي يحفظ، يقال صانه يصون صيانةً أي حفظه (مِن الظُّنُونِ الْكَاذِبَةِ) الظن مصدر من باب قَتَلَ على وزن فَعَلَ، فَعَلَ يَفْعُلُ وهو خلاف اليقين، الظن واليقين هنا متقابلان قاله الأزهري وغيره، وقد يُستعمل الظن بمعنى اليقين كما جاء في قوله تعالى: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللهِ} [البقرة: 249] . يعني البعث، وهذا لا يكفي فيه الظن بل لا بد من الجزم واليقين، فالظن هنا بمعنى اليقين (الظُّنُونِ الْكَاذِبَةِ) هي الأوهام التي ليس لها أساسٌ من الصحة، يعني ما يَرِدُ إلى الذهن من الخواطر أو ما يكون من حديث النفس، ويتصوره الإنسان في نفسه، يقول: هذه ظنونٌ كاذبةٌ، فيجب أن يصان عنها كلام الله تعالى وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم - وسيذكر له مثالًا رحمه الله تعالى. قوله: وكل هذا الكلام حقٌّ على حقيقته. فيه إشارةٌ للردّ على المعطلة من الجهمية والمعتزلة وأشباههم. وعرفنا أن المعطلة جنس يدخل تحته الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية الذين يزعمون أن ما جاء من ذكر فوقيته وعلوه واستوائه على عرشه ليس بحقيقةٍ، وإنما هو مجاز، وهذا باطلٌ.
قلنا: المجاز حقٌ يجب قبوله لكن لا دخل له في نصوص الصفات، لا كتابًا ولا سنة، وهذا باطلٌ مصادمٌ لأدلة الكتاب والسنة الصحيحة الصريحة، وإجماع السلف على أن ذلك حقيقةٌ كما يليق بجلال الله سبحانه وعظمته.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في (( الصواعق ) ): ومما ادَّعَوْا فيه أنه مجازٌ الفوقية. يعني: قالوا فوق، والمراد هنا فوقية الذات، وأما فوقية القدر والقهر هذه لا يخالف فيها المخالف أهل البدع، وإنما يخالفون في فوقية الذات، وساق أدلة كثيرةً في إثبات الفوقية الكاملة من جميع الوجوه منها: