قال مالك بن أنس رحمه الله تعالى إمام دار الهجرة: الكلام في الدين أكرههُ. ويعني بالكلام في الدين الخصومات والجدل في الدين يعني: في باب المعتقد، يقول: أكرهه، ولم يزل أهل بلدنا يكرهونه. يعني: يحكي عن أهل المدينة الذين التقى فهو قريب العهد بالنبوة. ولم يزل أهل بلدنا يكرهونهُ وينهون عنه نحو الكلام في رأي جهم والقدر وكل ما أشبههُ وكل ما أشبه ذلك. يعني: كل ما خالف عقيدة أهل السنة والجماعة فالأصل عدم الخوض فيه لأن الخوض فيه يُعين على نشره، ويُمَكِّنُ من قلب من لم يعرف الرد على هذه البدعة من الشك والتردد في معتقد أهل السنة والجماعة، ولذلك الأصل في دعوة الناس وفي تعليم المعتقد الأصل هو عقيدة أهل السنة والجماعة، وإنما ينظر في أقوال أهل البدع لردها لا لتُعْلَم كما يعلم عقيدة أهل السنة والجماعة، فكما يقرر عقيدة أهل السنة والجماعة بالدليل كذلك تقرر عقيدة أهل البدع بالدليل، نقول: هذا خلاف ما عليه السلف الصالح، وهذا كلام الإمام مالك رحمه الله تعالى يدل على ذلك، أن الأصل عدم الخوض في كلام أهل البدع هذا الأصل فيه، وإنما يُنظر فيه إذا أريد الرد عليه، حينئذٍ يُضبط أولًا ثُمَّ بعد ذلك يُفَنَّد، ولا أحب الكلام إلا فيما تحته عمل، أما الذي لا ينطوي تحته عمل فالأصل في المسلم أنه يبتعد عن هذا العلم، إذ العلم النافع هو الذي يترتب عليه العمل، وأما الذي لا يترتب عليه عمل فهذا ليس بعلم نافع.
قال رحمه الله تعالى: فأما الكلام في دين الله، وفي الله عز وجل فالسكوت أحب إلي لأني رأيت أهل بلدنا ينهون عن الكلام في دين الله إلا فيما تحته عمل. أورده في (( جامع بيان العلم ) ). قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى معلقًا على كلام مالك رحمه الله تعالى مؤيدًا له: والذي قاله مالك رحمه الله تعالى عليه الجماعة العلماء قديمًا وحديثًا وهو عدم الخوض في كلام أهل البدع لا في رأي الجهم ولا في أراء المعتزلة ولا الأشاعرة ولا الكُلابية ولا غيرهم. لأني كما ذكرت أن هذا من ما يعين على نشره، وقد يذكر أو تذكر البدعة فحينئذٍ السامع قد ينطوي قلبه على دليل البدعة، ولا ينكشف له زيفها، إذا ذكرنا البدعة بدليلها حينئذٍ قد يتلقى القلب هذه البدعة ويُشرب هذه البدعة، حينئذٍ إذا جئ الرد وخاص إذا كان ضعيفًا حينئذٍ قد لا يُنزع من قلبه ذلك الأمر، وحينئذٍ نبقى على الأصل وهو ما عليه السلف الصالح فلا تذكر في مجالس العلم إلا عقيدة أهل السنة والجماعة.
قال رحمه الله تعالى: والذي قاله مالك رحمه الله تعالى عليه جماعة العلماء قديمًا وحديثًا من أهل الحديث والفتوى، وإنما خالف ذلك أهل البدع المعتزلة وسائر الفرق، وأما الجماعة فعلى ما قال مالك رحمه الله تعالى في جامع بيان العلم، إلا في حال - كما ذكرنا رد الباطل أو انتشار بدعةٍ ونحوها - فحينئذٍ لا بد من الكلام.
رابعًا: اتفاق السلف في مسائل العقيدة، فهي محل إجماع لا خلاف بينهم بخلاف أهل البدع الرافضة أصناف وفرق والجهمية أصناف وفرق والمعتزلة والأشاعرة وكل أصحاب البدع يفترقون إذا اختلفوا، وأما أهل السنة والجماعة فعقيدتهم واحدة ولا خلاف بينهم البتة في الأصول.