وسبب نزول الآية أن أعرابِيًّا قال: يا رسول الله أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ يعني ما صفة الدعاء؟ هل ندعوا ونرفع أصواتنا لأن ربنا بعيد أم نناجيه؟ والمناجاة تكون عن قرب، أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فسكت النبي - صلى الله عليه وسلم -، أولًا هذا صحابي قال: يا رسول الله أقريب ربنا فنناجيه؟ إذًا الصحابة لم يكن إيمانهم بصفات الباري جل وعلا إيمان تفويض كما يدعيه المبتدعة لأن الصحابة لا يدركون شيئًا من ذلك وإنما يثبتون الألفاظ ولا يدرون عن المعاني. نقول: هذا السؤال يكذبهم كما مر معنا مرارًا فحينئذٍ نقول: هذه الأدلة تجمع ويستدل بها على إبطال أن الصحابة كانوا لا يثبتون المعاني اللغوية للألفاظ، بل سمعوا الألفاظ من الكتاب والسنة وفهموا المعاني المرادة مع تنزيه الباري جل وعلا عن كل نقص فأثبتوا ما دلت عليه الألفاظ، وهذا النص السؤال الذي معنا يدل على ذلك لأنه أراد أن يسأل عن صفةٍ تتعلق بالباري جل وعلا وهي القرب والبعد، وهذا دل على أنهم يعقلون من الألفاظ المعاني، إذًا لا يثبتون الألفاظ ويفوضون المعاني كما يدعيه أهل البدع، بل يبثبتون الألفاظ والمعاني ويفوضون الكيف، وإن شئت زيد يفوضون كمال المعنى، لأنه لا يدرك كذلك بالعقل فثَمَّ تفويضان، أما أصل المعنى الذي يُفهم من اللفظ هذا بإجماع السلف أنه يثبت للباري جل وعلا، أقريب ربنا فنناجيه أم بعيدٌ فنناديه فسكت النبي - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله هذه الآية {وَقَالَ رَبُّكُمُ} [غافر: 60] رواه ابن أبي حاتم وابن جرير، وروى الإمام أحمد عن أبي موسى قال: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوةٍ فجعلنا لا نصعد شرفًا ولا نعلو شرفًا، يعني: الشيء المرتفع، الشرف الشيء المرتفع. ولا نهبط واديًا إلا رفعنا أصواتنا بالتكبير قال: فدنى منا. يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ( «أَيُّهَا النَّاسُ! ارْبِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ؛ فَإِنَّكُمْ لاَ تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلاَ غَائِبًا، إِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا. إِنَّ الَّذي تَدْعُونَ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ» ) . الحديث خرجاه في الصحيحين وبقية الجماعة.