قوله: ( «أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُم مِّن عُنقِ رَاحِلَتِهِ» ) . مَثَّلَ بها لشدة قربها لِمَن على الراحلة، إن كان يركب راحلة أقرب إليه ما هو؟ عنق الراحلة، بحيث لو تحدث بحديثٍ خفي فإن من على عنق الراحلة سيسمعه، الله أقرب إليه من عنق الراحلة، والله أقرب إليه من ذلك، فالمفاضلة هنا ( «أَقْرَبُ» ) تدل على قربٍ ومر معنا أن أفعل التفضيل تدل على اشتراك في أصل المعنى، إذًا عندنا مفاضلة هنا، عندنا مفاضلة بين قربين: قرب الباري جل وعلا، وقرب عنق الراحلة. أيهما أقرب؟ الله تعالى أقرب من عنق الراحلة، فدل ذلك على أن ثَمَّ مفاضلة بين النوعين مع أن الفارق بإضافة كل قرب إلى من يتصف به هذا مما لا ينازع فيه، بمعنى أن أصل المفاضلة إنما يكون في الذهن، هذا الأصل فيه، وإنما أضيف إلى الشيء حينئذٍ مقابلة عنق الراحلة هذه مخلوقة، وقرب الله تعالى هذا صفةٌ من صفاته، ففرق بين الأمرين، فإذا أضيف القرب إلى عنق الراحلة هذا القرب وصف للمخلوق فيكون مخلوقًا وإذا أضيف إلى الباري جل وعلا فهو صفةٌ له فحينئذٍ لا نقول: القرب مخلوقًا بل صفاته جل وعلا تابعةٌ لذاته، فالمفاضلة هنا بقوله: ( «أَقْرَبُ» ) لتقريب معنى الصفة، أراد أن يقرب ليؤكد المعنى، فليس العبد في حاجةٍ إلى أن ينادي في الدعاء، بل الأمر أمر مناجاةٍ، قال تعالى في شأن موسى عليه السلام: {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا} [مريم: 52] . يقال: ناجيته أي ساررته، فالإسرار والنجاة متقاربان، فسره في (( القاموس ) )ناجيته أي ساررته، وأصله أن تخلو به في نجوةٍ من الأرض، في مكان من الأرض، ففيه معنى المساررة، وفيه معنى الْخَلْوَة، {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا} فالمناجي هو من حاله القرب، وهذا ينبغي أن يستحضره الداعي، وإذا دَعَى ربه فإنما يناجيه ويخفض صوته، والمراد به قرب الإحاطة والعلم ( «أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ» ) يعني القرب يفسر بماذا؟ بالعلم والإحاطة كما فُسِّرَتِ المعية العامة بالقرب والإحاطة كما في قوله: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16] . ومن أسمائه سبحانه وتعالى القريب، وقربه سبحانه نوعان وفيه خلاف، إثبات صفة القرب متفق عليه، وإنما التقسيم هو الذي وقع فيه نزاع عند أهل السنة والجماعة والنزاع هذا مقبول نوعان:
قرب عام، وقرب خاص.