قوله: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} قال تعالى قبلها: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} هذا يدل على العموم {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ} المراد بالإنسان هنا جنس الإنسان، وهذا هو الصحيح المرجح عند المفسرين، كقوله: {إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ} [العصر: 2] يعني جنس الإنسان، وليس المراد به شخصًا معيَّنًا، وقيل: آدم عليه السلام. وليس فيه دليل يدل على ذلك فالأول المرجح. {وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ} والوسوسة في الأصل الصوت الخفي، والمراد بها هنا ما يختلج في سره وقلبه وضميره، يعني أشبه ما يكون بحديث النفس، {وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ} يعني ما تُحدث به نفسه وهو ما خَفِيَ، قد يكون معه صوت وقد لا يكون، لكن الأصل في حديث النفس ألا يكون معه صوت خفي، أي نعلم ما يخفي ويكن في نفسه، هذا المراد نعلم ما يُخفي ويُكن في نفسه. قوله: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا} (نا) دالة على الفاعلين، يدل على المفرد أو على جمعٍ؟ الثانية على الجمع {خَلَقْنَا} إذًا {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ} نعلم، بملائكته؟ لا، نعلم هو جل وعلا {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ} إذًا السياق يقتضي ماذا؟ أن (نحن) هنا ليس المراد به الملائكة لأن الأصل الإخبار السياق محكم هنا، فقوله {وَلَقَدْ خَلَقْنَا} ليس ثَمَّ خالقٌ إلا الله عز وجل، فحينئذٍ أراد بالجمع هنا التعظيم وليس التعدد. قوله: {وَنَعْلَمُ} وصف نفسه بالعلم وهذا خاص بالباري جل وعلا وفيه معنى التعظيم لأن النون هنا تدل على التعظيم، نكتب ونحو ذلك، ثم قال: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ} إذًا الراجح ما يدل عليه سياق الآية {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} أقرب من حبل، من حبل متعلق بقوله {أَقْرَبُ} لأنه اسم تفضيل، فيتعلق به الجار والمجرور، {مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} هو الحبل العاتق، وهو ممتد من ناحية حلقه إلى عاتقه، وهما وريدان من عن يمين وشمال، وهو تمثيل للقرب بقرب ذلك العرق من الإنسان، أي نحن أقرب، أي الله عز وجل، نحن أقرب إليه من حبل وريده، وهذا أخص من الحديث الذي ذكره المصنف رحمه الله تعالى، إذًا قربه سبحانه نوعان.
عام قرب عام، وهو إحاطة علمه بجميع الأشياء كما في الحديث والآية واضحة بينة {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} ، من أين أخذنا كونه عامًا؟ لقوله: {الْإِنسَانَ} . {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ} والإنسان المراد به جنس الإنسان، فلا يختص بالمؤمن، ماذا نقول: هذا عام وهذا خاص؟ بالتقابل بين المؤمن والكافر، فما شمل المؤمن والكافر نقول: هذا عام. وما اختص بالمؤمن نقول: هذا خاص. كما في المعية كما في السمع والبصر قد يكون عامًا وقد يكون خاصًا.