قال رحمه الله تعالى: (وَهُوَ الإِيمانُ بِاللهِ) . إذًا سبب العزة والنُّصرة والتأييد والرفعة هو هذا الاعتقاد المأخوذ من الكتاب والسنة وهو الذي عليه الصحابة وتابعوهم بإحسان، وأصله الذي يُبنى عليه هو هذه الأصول الستة المذكور في حديث جبريل عليه السلام المشهور حديث عمر في هذه الرسالة من أولها إلى آخرها تفصيل لهذه الأصول الستة مفصلة على وفق فهم سلف الأمة.
قال الله تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ} الآية، وقال سبحانه: {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} ... [البقرة: 177] الآية وذكر فيها هذه الأصول. وهذه الأصول الستة اتفقت عليها الأنبياء والرسل، ولذلك التوحيد وما يتفرع عنه بل العقائد كلها ما يتعلق بالتوحيد بأنواعه الثلاثة هذه محل إجماع بين الرسل والأنبياء لا خلاف بين الرسل في كون التوحيد ثلاثة أقسام:
(توحيد الربوبية، وتوحيد الإلوهية، وتوحيد أسماء والصفات) .
وحينئذٍ كل ما يتفرع من الإيمان بالله تعالى بكلامه بالقدر خيره وشره بالبعث إلى آخره كل متفرع هذه الأصول الثلاثة، وهذه الأصول الستة اتفقت عليها الأنبياء والمرسلون عليهم الصلاة والسلام، ولم يؤمن بها حقيقة الإيمان إلا أتباع الرسل. أتباع الرسل الذين يقتفون أثر الرسل، وأما الذين يجعلون أصولًا غير أصول الرسل كالعقل والذوق والكشف والمنامات ونحو ذلك، فهؤلاء ليس لهم حظ لا في قليل ولا في كثير من إتباع الرسل، وأما أعداؤهم ومن سلك سبيلهم إلى فلاسفة وأهل البدع فهم متفاوتون في جحدها وإنكارها. قال رحمه الله تعالى: (وَهُوَ) أي اعتقاد أهل السنة والجماعة الضمير يعود إلى اعتقاد (أَمَّا بَعْدُ؛ فَهَذَا اعْتِقَادُ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ الْمَنْصُورَةِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ: أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ) هذا الاعتقاد (الإِيمانُ بِاللهِ) هذا وهو الركن الأول والأصل الأول من أصول الستة، وسيفرد المصنف رحمه الله تعالى فصلًا خاصًا بالإيمان الذي وقع فيه النزاع عند المتأخرين، وأما السلف فاتفقوا على أن الإيمان اعتقادٌ وقولٌ وعمل، ولكن نجمل الكلام هنا ثم يأتي التفصيل فيما يأتي.
الإيمان له معنيان معنى اللغوي ومعنًى شرعي، يعني له حقيقة شرعية، وهذه الحقائق الشرعية الأصل في فهمها هو فهم لسان العرب، يعني اللفظ الذي جاء في الشرع حينئذٍ ننظر في استعمال اللغة ماذا عنى به أهل اللغة، ثم ينظر في الشرع هل له استعمال خاصٌ أم لا فإن كان له استعمال خاص فحينئذٍ يحمل اللفظ على معناه الشرعي ولا يُنظر إلى المعنى اللغوي إلا في فهم أصل المعنى فحسب، بمعنى أن المعنى اللغوي لا بد وأن يتضمنه المعنى الشرعي، المعنى أن المعنى اللغوي لا بد أن يكون داخًا في المعنى الشرعي، ثم المعنى الشرعي قد يزيد بعض القيود على المعنى اللغوي، وقد ينقص بعض القيود عن المعنى اللغوي، ولذلك نقول: الصلاة في اللغة هي الدعاء ولكنها في الشرع أقوالٌ وأفعال .. إلى آخره. إذًا زاد على مجرد الدعاء مع كون الصلاة الشرعية مشتملة على الدعاء، وقل كذلك في الصيام وغيره.