الصفحة 803 من 883

قال المصنف رحمه الله تعالى بعد ذلك: (وَمَا ذُكِرَ فِي الْكِتِابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ قُرْبِهِ وَمَعِيَّتِهِ لاَ يُنَافِي مَا ذُكِرَ مِنْ عُلُوِّهِ وَفَوْقِيَّتِهِ) شيخ الإسلام يكرر هذه المسائل من أجل تقريرها والشيء إذا تكرر استقر، (فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فِي جَمِيعِ نُعُوتِهِ، وَهُوَ عَلِيٌّ فِي دُنُوِّه) يعني قربه (قَرِيبٌ فِي عُلُوِّهِ) فلا تنافي بين الصفتين، فمن أوجد التنافي فقد ذكر ابن تيمية يشير إلى علة وجود التنافي، ولذلك قال: (فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) . إذًا متى يأتي التعارض عند التمثيل، فإذا مَثَّلَ أولًا صفات الباري جل وعلا بما يدركه هو حاله أو حال الأجسام المخلوقة حينئذٍ قال: يتنافى أن يكون عاليًا وهو كذلك قريبٌ من عباده، (وَمَا ذُكِرَ فِي الْكِتِابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ قُرْبِهِ وَمَعِيَّتِهِ لاَ يُنَافِي مَا ذُكِرَ مِنْ عُلُوِّهِ وَفَوْقِيَّتِهِ) لماذا؟ لأن الذي أخبر بذا وذاك هو الوحي، وهو حقٌّ لا يناقض بعضه بعضًا. هذه قاعدة مِمَّا ينبغي اعتمادها، إذا وقع شيءٌ في النفس من الخواطر أن ثَمَّ تعارضًا أو أنه لا يُدرك، حينئذٍ نقول: الذي أخبر بذا وذاك هو الوحي، وحينئذٍ نقول: سمعنا وأطعنا. فهو حقٌّ لا يناقض بعضه بعضًا فالكلّ من عند الله تعالى ولكن يصان عن الظنون الكاذبة، فأي ظنٍ يستلزم التناقض بين الصفتين فهو لفساد التصور عند صاحبه، وهو واضح بَيِّن، فإن علوه سبحانه من لوازم ذاته، ولذلك قلنا: هي صفةٌ ذاتية جل وعلا عالٍ على خلقه مستوٍ على عرشه بذاته من باب التقرير والإيضاح، هذه الصفة صفةٌ ذاتية أعني بها العلو، وأما الاستواء فهي صفةٌ فعلية. فلا يكون قط إلا عاليًا، وهو من لوازم ذاته، ولا يكون فوقه شيءٌ البتة كما أعلم، كما قال أعلم الخلق بربه: «وأنت الظاهر فليس فوقك شيء» . وعلمنا أن الظاهر بمعنى العلو الظهور بمعنى العلو، إذًا ليس فوقك شيءٌ، شيءٌ نكرةٌ في سياق النفي فتعم، إذًا أي ما يكون شيئًا فليس فوق الله تعالى البتة فهو سبحانه قريبٌ في علوِّه، عالٍ في قربه، فأخبر - صلى الله عليه وسلم - أنه ( «أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ» ) ، وأخبر أنه فوق سماواته على عرشه مطلعٌ على خلقه يرى أعمالهم، وهذا حقٌّ لا يناقض أحدهما الآخر، والذي يُسَهِّلُ عليك فهم هذا إن كان ثَمَّ إشكال معرفة عظمته سبحانه وإحاطته بخلقه وأن السماوات السبع في يده كخردلة ٍفي يد العبد فيكف يستحيل في حق من هذا بعض عظمته أن يكون فوق عرشه ويقرب من خلقه كيف يشاء وهو على العرش.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت