رابعًا: (منه بدأ وإليه يعود) . جعلته صفتين فلا إشكال أو صفة واحدة، قوله: (ومن الإيمان بالله وكتبه الإيمان) الإيمان هذا مبتدأ وقوله: (ومن الإيمان) . خبر مقدم، (الإيمان بأن القرآن كلام الله) يعني من كلام الله لأنه بعضه، ليس كل كلام الله هو القرآن بل بعضه القرآن، أليس كذلك؟ فقوله: (بأن القرآن كلام الله) ليس المراد به حصر كلام الله في القرآن، وإنما أراد أن يُخبر بأن القرآن من كلام الله تعالى، كما تقول: زيد عالم. ليس المراد حصر العلم في زيد، بل زيد عالم، وغير زيد كذلك عالم، فالله تعالى تكلم بالقرآن، وتكلم ويتكلم وسيتكلم بغير القرآن فالكل وصفه، أي من كلام الله تعالى، وكلام الله صفةٌ من صفاته، فالقرآن صفة من صفاته، إذًا هل يكون مخلوقًا؟ الجواب: لا، لأنه ليس شيء من صفات الباري جل وعلا يكون مخلوقًا البتة، كما دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع، فتصديق ذلك من الإيمان بالله، ولذلك قال: (ومن الإيمان بالله وكتبه الإيمان بأن القرآن) إذًا من التصديق بالله تعالى التصديق بصفة الكلام لأنه مما أخبر به عن نفسه، فإذا لم يؤمن به حينئذٍ كَذَّب الباري جل وعلا، (وكتبه) يعني القرآن وغير القرآن، لأن كتب الباري جل وعلا من كلامه، فالتوارة من كلامه، والإنجيل من كلامه، وهكذا، وحينئذٍ يكون مُكَذِّبًا لهذه الكتب، فتصديق ذلك من الإيمان بالله فمن لم يؤمن بأن القرآن كلام الله لم يؤمن بالله وكتبه، التلازم وارد.
قال عبد الله بن مبارك رحمه الله تعالى: من كفر بحرف من القرآن فقد كفر بالقرآن. لكن يُشترط في هذا الحرف أن يكون متفقًا عليه بين القراء، لأنه قد يُثبت في بعض المواضع دون بعض:
{وَقَالُواْ اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا} ، (قَالُواْ اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا) [البقرة: 116] ، {تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ} ، (تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ) [التوبة: 100] هذا مما وقع فيه اختلاف القراء، حينئذٍ نقول: هذا إنكار لو نفاه بقراءته نقول: هذا لا إشكال فيه، لكن لا ينفيه في قراءة أخرى، فإنما ينفيه في قراءته. من كفر بحرفٍ من القرآن فقد كفر بالقرآن، ومن قال لا أومن بهذا الكلام فقد كفر، ارتد عن الإسلام، ووجه كونه كافرًا لأنه مكذب بالقرآن، وكلّ من كذب القرآن فهو كافر، فإذا أخبر الباري جل وعلا عن نفسه بصفةٍ ما فنفاها نقول: هذا مكذب. إذا أخبر عن نفسه بأنه عالم بذاته جل وعلا فوق كل شيء قال: لا، الله في كل مكان. نقول: هذا مكذب بالقرآن مكذبٌ للباري جل وعلا، فأراد المصنف بهذا الفصل بيان بعض ما يدل عليه معنى الإيمان بالكتب والإيمان بالكتب أحد أركان الإيمان الستة، فالإيمان بأن القرآن كلام الله هو بعض الإيمان بالله، لأنه يدخل في الإيمان بالله الإيمان بأسمائه وصفاته، ومن ذلك صفة الكلام، والإيمان بأن القرآن كلام الله تعالى هو بعض الإيمان بالكتب لأن الكتب من كلام الله تعالى.
قوله: (بأن القرآن كلام الله) ومر معنا ذلك كلام الله كما قال جل وعلا {فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ} [التوبة: 6] ما وجه الاستدلال هنا؟ أضاف صفة الكلام إلى الباري جل وعلا {كَلاَمَ اللهِ} أضافه لنفسه، وقلنا: ما أضافه لنفسه نوعان:
أعيان، ومعاني.