هذا الوصف الأول كلام الله (بأن القرآن كلام الله) . (منزل) يعني من عند الله تعالى حذف الجار والمجرور للعلم به (منزل) من عند الله تعالى، وثبوت نزوله من الله دليلٌ على أنه كلامه، ومر معنا أن التنزيل والإنزال يكون مطلقًا ويكون مقيَّدًا، وفي هذا رد لكلام الجهمية والمعتزلة ممن يقول: إنه لم يُنَزَّلْ منه. فبَيَّن في غير موضعٍ أنه مُنَزَّلٌ من الله، أخبر الباري جل وعلا أن القرآن منزلٌ من عنده، فمن قال بأنه غير مُنَزَّلٌ فقد كذب القرآن وكذب الله تعالى، فمن قال: إنه مُنَزَّل ٌمن بعض المخلوقات كاللوح والهواء فهو مفترٍ على الله مكذب لكتابه، وهو كذلك. قال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} [النساء: 105] ، {أَنزَلْنَا} (نا) دالة على التعظيم، الذي أنزل القرآن هو الله جل وعلا، والمعتزلة والجهمية يقولون ماذا؟ لم ينزل القرآن من السماء، لم ينزل من عند الله تعالى، فبَيَّن في غير موضعٍ أنه منزلٌ من عنده جل وعلا، وهذا أول موضعٍ {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} والمراد هنا بالكتاب هنا القرآن، ولذلك قال: {لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُُ} والذي يُحكم به النبي - صلى الله عليه وسلم - ليس ثَمَّ إلا القرآن وما يوحى إليه من عند الباري جل وعلا. وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ} [النساء: 136] فدل على أن كل كتابٍ أرسل الله تعالى به رسولًا أو جاء به نبيٌ وهو منزلٌ من عند الله تعالى، إذًا هو من كلامه، ولذلك كل كتابٍ فهو من عند الله تعالى منزل من عند الله تعالى، فدل على أنه من كلامه، يعني بعض من كلامه {وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ} ، ثم قال: {قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا بَعِيدًا} وقال: {تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 42] ، وقال {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ} [النحل: 102] ، قوله: {مِن رَّبِّكَ} ، {مِن} هنا لابتداء الغاية، {مِن رَّبِّكَ} يعني ابتداء هذا الكتاب {نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ} من روح القدس؟ جبريل عليه السلام {مِن رَّبِّكَ} يعني سمعه مباشرةً وأخذه مباشرةً جبريل عليه السلام من الله تعالى، فـ {مِن} هنا لابتداء الغاية، فهذا الإنزال ابتدأ من الله تعالى وهو فوق سمواته على عرشه، وروح القدس جبريل عليه السلام، وهو الروح الأمين المذكور في قوله: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ} [الشعراء: 193] فجبريل عليه السلام سمعه من الله تعالى بلا واسطة مباشرةً، والنبي - صلى الله عليه وسلم - سمعه من جبريل هكذا السند، ولم يقل أحدٌ من السلف إن النبي - صلى الله عليه وسلم - سمعه من الله مباشرة إلا بعض الصوفية المتأخرة، والآية صريحة في الرد عليهم، وصريحة في أنه المتكلِّم به، وأنه منه نزل، ومنه بدأ، وهو الذي تكلم به، ومنه ما قال السلف: [من الله بدأ] من الله بدا أحسن من الهمز من الله بدا.