الصفحة 809 من 883

فأخبر في الآيات المتقدمة أنه منزلٌ من الله، ولم يخبر عن شيءٍ أنه منزلٌ من الله إلا كلامه، بخلاف نزول الملائكة والمطر والحديد وغير ذلك هذا جاء مطلقًا، ومر معنا أن التنزيل والإنزال قد يكون مطلقًا، وقد يكون مقيدًا. قوله: ... (غير مخلوق) هذا الوصف الثالث، وهذا الوصف يُقال في مقام التعليم للبيان، وفي مقام الرد على أهل البدع القائلين بأن القرآن مخلوقٌ، فيقال: القرآن كلام الله منزلٌ غير مخلوقٍ، كما نقول: استوى بذاته، ينزل بذاته، فيكون المقام مقام رد في التصريح، حينئذٍ كونه كلام الباري جل وعلا دل بدلالة الالتزام على أنه ليس مخلوقًا، فالتصريح بما دل عليه الالتزام لا إشكال فيه، لكن لكونه لم يرد حينئذٍ نقول: المعنى ثابت واللفظ هذا إنما يذكر من جهة الردّ على أهل البدع.

(غير مخلوق) أي ليس من مخلوقات الله تعالى التي خلقها، وهذا لازمٌ لكونه مُنَزَّلًا لأنه صفةٌ من صفات الباري، ولازم لكونه من كلام الله تعالى، وفي هذا رد لكلام الجهمية والمعتزلة وغيرهم ممن يقول: كلام الله مخلوق. حينئذٍ وصفوا القرآن بكونه مخلوقًا، كلام الله مخلوق هذا عام، كل ما يسمعه حتى ما سمعه موسى عليه السلام فهو مخلوق، نقول: هذا ليس المراد به القرآن فحسب، وإنما أرادوا به كل كلام لله عز وجل، ومن ذلك القرآن. قالوا كلام لله مخلوق، والجهمية يقولون: إن الله لا يتكلم بل خلق كلامًا في غيره، وجعل غيره يُعَبِّرُ عنه، خلق الكلام في غيره، شجرة مثلًا، وجعل الشجرة تُعَبِّرُ عن هذا الكلام، هذا تهافت، وما جاء من الأدلة أن الله تَكلم أو يُكلم أو نادى أو نحو ذلك. قالوا: هذا مجاز. ادَّعوا ماذا؟ أنه مجاز، وهذا باطل.

وأما المعتزلة فيقولون: إن الله متكلّم حقيقةً. لكن معنى ذلك أنه خلق الكلام في غيره، هنا التهافت بين إثبات شيءٍ ونقيضه، ليس كل ما يدَّعِيه أهل البدع هنا يكون متصورًا، بل قد يكون دالًا على فساد عقولهم. قالوا: تكلم حقيقةً. لكن ماذا؟ هو كلام غيره، حينئذٍ لا يُقبل هذا فحقيقة المذهبين واحد، وإنما اختلفوا في ماذا؟ في التعبير عنه، قد يُعَبِّرُ بما لا يقبله العقل كما في شأن قول المعتزلة، فقالوا: الله متكلم حقيقة. إذًا ما يُسمع فهو منسوب إلى الباري جل وعلا، لكن معنى ذلك أنه خلق الكلام في غيره، فكيف يكون متكلِّمًا حقيقة. هذا فيه تناقض وتضارب، فمذهبهم ومذهب الجهمية في المعنى استوى، وإن اختلفوا في التعبير، المعنى واحد كل منهما اعتقد أن كلام الله تعالى ومنه القرآن أنه مخلوق، وكل منهما نفى حقيقة الكلام، لكن المعتزلة أثبتوا باللفظ أن الله تعالى متكلِّم، والجهمية قالوا: لم يتكلم، فقط في هذا الخلاف، وأما حقيقة ما أثبته المعتزلة أنه متكلم في المعنى هو ما أثبته الجهمية فلا فرق بينهما في المذهبين البتة، ولذلك المعتزلة يقربون كثيرًا من الجهمية، يختلفون في مسائل فقط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت