قال هنا: فمذهبهم ومذهب الجهمية في المعنى سواء، وحقيقة قول الطائفتين جميع المعتزلة أنه غير متكلّم، يعني نفي صفة الكلام عن الباري جل وعلا، وهذا باطل مخالف لقول السلف والأئمة ومخالف للأدلة العقلية والسمعية، فإنه لا يعقل متكلمٌ إلا من قام به الكلام، فإذا وصف الباري جل وعلا أنه متكلمٌ {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164] إذًا كلَّم هذا لا يعقل منه إلا ذاتٌ اتصفت بصفة الكلام، أو لا؟ هذا الذي يقتضيه لسان الرب، فمحاولة وصفه بأنه متكلِّم ثم لم يكن بذاته صفة الكلام هذا تعارضٌ وتناقض لا يقبل البتة، فإنه لا يعقل متكلَّمٌ إلا من قام به الكلام، ولا مريدٌ إلا من قامت به الإرادة، ولا محبٌّ ولا راضٍ إلا من قام به ذلك، وهذا واضح بَيِّن كما مر معنا أنه اشتق الباري أو اشْتُق من صفات الباري جل وعلا ألفاظ تدل على أن الذات متصفة بما دل عليه اللفظ، فالعليم دال على ذاتٍ وصفةٍ هي العلم، عند المعتزلة، لا، عليمٌ يدل على ذاتٍ ولا يدل على صفة العلم. نقول: هذا لا يقبله عقلٌ ولا نقلٌ إذ الإجماع منعقدٌ بين العقلاء فضلًا عن أهل اللسان أنه عند الاشتقاق يدل على ذاتٍ وصفةٍ، فإذا قيل زيدٌ نائمٌ. نائم معناه ذات متصفة بصفة النوم .. وهكذا. وهذا مما يستعمله ويدرج في ألسنة الناس، ولأن كلام الله سبحانه من صفاته وهي غير مخلوقة جل وعلا صفاته. قال الله عز وجل: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا} [الشورى: 52] {رُوحًا} وأراد بالروح هنا القرآن، أراد به لأنه مما تحيى به الناس القلوب، {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا} ، وقال تعالى: {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} [الأعراق: 54] الدليل مركب هنا {رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا} ، {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} والقرآن من الخلق أو من الأمر؟ من الأمر وقابل به الخلق {الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} العطف يقتضي ماذا؟ يقتضي المغايرة التَّغَايُر. إذًا ليس الخلق هو الأمر، وليس الأمر هو الخلق. وقال: {رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا} إذًا ليس القرآن مخلوق، ودل - هذا دليل يستأنس به وإلا إذا علمنا بأن لقرآن من كلام الله تعالى وهذا قطعي الثبوت حينئذٍ نستدل بكون القرآن دل على أن القرآن ليس بمخلوقٍ بمعنى أنه أثبت أنه داخلٌ تحت الأمر الذي يقابل الخلق. وهذا من باب الاستئناس وزيادة الأدلة، وإلا ما سبق يكفي. إذًا قال: {رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا} ، وقال: {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} فأخبر تعالى أن الخلق غير الأمر لأنه غاير بينهما بالعطف، والعطف يقتضي المغايرة، وأخبر كذلك أن القرآن من أمره لا من خلقه، و {أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا} .