قوله: (حَقِيقَةً) فيه رد على من زعم أن كلامه سبحانه معنًى واحد قام بذات الباري لم يُسمع منه، بمعنى أن الردّ هنا إنما يكون على الأشاعرة، والأشاعرة هم القائلون بأن الكلام معنى نفسي، والمراد بالمعنى النفسي، يعني شيء كائن موجود في النفس، وهو ما يُسمى بحديث النفس، فالكلام إذا أطلق الباري جل وعلا كلام الله أو أن القرآن من كلام الله فأراد به المعنى النفسي فهو الذي يُوصف بكونه صفةً للباري جل وعلا، وأما الحرف والصوت فهذا إِنْ سَمِعَهُ مخلوق كجبريل ولو كان قرآنًا فهو مخلوق وليس بصفة الباري جل وعلا، وإنما الصفة تفسر يعني معناها الذي دل عليه اللفظ هو حديث النفس والمعنى النفسي وهذا باطل، ولذلك قال: وإنما هو الكلام النفساني ولم يتكلم به حقيقة، يعني ليس ثَمَّ كلام حرف وصوت وإنما هو شيء كائن في النفس، لأنه لا يقال لمن قام به الكلام النفساني ولم يتكلم به إن هذا كلام حقيقي، يعني هذا كلام باطل، لأنه من قام به الكلام النفسي أنت الآن تحدث نفسك هل نقول: زيد تكلم؟ نقول: لا، باتفاق العقلاء فضلًا عن أهل اللسان بأنه لا يقال: بأنه متكلم، ولذلك يشترطون في حدّ الكلام ماذا؟ أن يكون لفظًا، واللفظ إذا انتفى اللفظ لا يُسمى كلامًا باتفاق أهل اللغة، فإذا كان كذلك ما هو اللفظ؟ قالوا: الصوت المشتمل .. إلى آخره، إذًا لا بد أن يكون صوتًا، والصوت لا بد أن يُسمع حينئذٍ إذا فُسِّرَ الكلام بأنه حديث النفس نقول: حديث النفس لا يُسمع، والكلام لا بد أن يُسمع، فدل على أن ثَمَّ تناقضًا بين المعنيين، فما أثبتوه بأنه معنى كلام الله وهو النفساني هذا المعنى باطل، ودل على بطلانه ما سبق من أدلة، إذًا لأنه لا يقال لمن قام به الكلام النفسي ولم يتكلم به إن هذا كلام حقيقةً لا عقلًا ولا نقلًا، يعني من جهة اللسان العربي، فإذا تحدث في نفسه ما تحدث ولم يتكلم هل نقول: ألقى محاضرةً؟ هل نقول: خطب جمعة؟ نقول: لا، لا يُسَمَّى متكلمًا، وإلا لصحة جماعة الناس إذا صعد الخطيب الجمعة وهو يلتفت إليهم هكذا ينظرون وهو يُنظر إليهم وحدث نفسه لساعةٍ هل خطب بهم وصحت صلاتهم؟ الجواب: لا، لماذا؟ لأن من حدَّث نفسه ولم يتكلم لا يسمى متكلِّمًا، صحيح؟ وهم وصفوا الباري بماذا؟ بأنه تكلم وكلامه نفسيٌّ، نقول: لا، هذا منازع من جهة اللغة ومن جهة العقل، وإلا يلزم أن يكون الأخرس متكلِّمًا، كل أخرس يُكلِّم نفسه يحدث نفسه، أليس كذلك؟ فإذا قُيِّد يُكلِّم نفسه لا إشكال فيه، ولذلك مر معنا أن القول كالكلام، لكن قد يكون حديث نفسٍ، لكن حينئذٍ تُقَيِّدُهُ، فتقول: كَلَّمْتُ نفسي، ولا إشكال فيه يصح حتى في اللغة، ولذلك قال تعالى: {وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ} [المجادلة: 8] .