قيده بماذا؟ في النفس، هل هذا القول لفظ؟ الجواب: لا، لماذا؟ لوجود القرينة الدالة على أن المراد به حديث النفس، إذًا حديث النفس لا يُنكر، التعبير عنه لا يُنكر، إنما الإنكار في ماذا؟ أن يُقال كلام الله دون قيد أو يُقال القول دون قيد المراد به حديث النفس، نقول: هذا كذب على اللغة وكذب على الباري جل وعلا، وأما إذا قيَّده قال في نفسه، زَوَّرْتُ في نفسي، تكلم في نفسه، فلا إشكال فيه، فيحمل على حديث النفس، وحديث النفس هذا وارد أمر فطري، لكن لا يُسَمَّى كلامًا، وإلا يلزم أن يكون الأخرس متكلِّمًا، ولَزِمَ أن لا يكون الذي في المصحف عند الإطلاق هو القرآن ولا كلام الله، إذًا (وإلا يلزم أن يكون الأخرس متكلِّمًا) هذا اللازم باطل، فدل على أن الْمَلْزُوم باطل، أليس كذلك؟ بطلان اللازم يدل على بطلان الْمَلْزُوم، إذا قيل: بأن الكلام المراد به الكلام النفسي قلنا: لزم من ذلك أن يكون الأخرس متكلِّمًا، وهذا باطل أنت تُقِرُّ بذلك، إذًا تفسير الكلام بأنه حديث النفس أو الكلام النفسي هذا باطل، واللازم باطل والْمَلْزُوم كذلك باطل، ولَزِمَ أن لا يكون الذي في المصحف عند الإطلاق هو القرآن ولا كلام الله، ودلت النصوص على أنه كلام الله، واللازم باطل والْمَلْزُوم باطل، ولكنه عبارة عنه ليس كلام الله كما لو أشار إلى شخصٍ بإشارةٍ مفهومةٍ فكتب ذلك الشخص عبارةً عن المعنى الذي أوحاه إليه ذلك الأخرس، فالمكتوب هو عبارة ذلك الشخص عن ذلك المعنى، فعندهم أن الْمَلَك فهم معنى قائمًا بنفسه لم يَسْمَعْ منه حرفًا ولا صوتًا. وهذه أو هذا ما يَدَّعِيه الأشاعرة والْكُلاَّبِيَّة، قالوا: بأن الكلام هو المعنى النفسي، طيب وما أمر تعالى به؟ قالوا: الْمَلَك فَهِمَ - ولا ندري كيف فهم - فَهِمَ من الله تعالى أنه أراد كذا فتَكَلَّمَ، حينئذٍ الكلام الذي حصل إنما هو يُنْسَبُ لِمَنْ؟ بحرف وصوت الذي سُمِعَ إنما يُنْسَبُ إلى الْمَلَك، هذا كما لو فَهِمَ شخصٌ ما عن أخرس معنى ما فكتب، حينئذٍ الكتابة هذه من حيث اللفظ منسوبةً إليّ وليست منسوبةً للأخرس، ولكن الكلام هو حديث النفس، فأخذ هذا الذي فهم عن الأخرس المعنى فكتبه، فحينئذٍ عندنا شخصان، شخص تحدث بحديث النفس، وشخص كتب عن ذلك الْمُتَحَدِّث، حينئذٍ الكلام يُنْسَبُ لِمَنْ؟ في الأصل أنه يُنْسَبُ إلى من كتب ثانيًا، لماذا؟ لأن الكلام إنما منشأه من ابتدأه كما سينص على ذلك رحمه الله تعالى فيُنسب إلى من قاله ابتداءً، وهذا الشخص قد قال ما قد قال وكتب ما كتب فيُنسب إليه ولا ينسب إلى الأول، لكن هذا تقرير لمذهب الأشاعرة والْكُلاَّبِيَّة، ولذلك قال: (ولكنه عبارة عنه) . يعني هذا القرآن والذي في المصحف ليس بكلام الله، وإنما هو تعبير عن كلام الله تعالى، لأن كلام الله تعالى هو المعنى النفسي، والمتلو الذي يتلوه المسلمون وتلاه جبريل وتلاه محمد - صلى الله عليه وسلم - هذا الْمَتْلُوْ ليس هو كلام الله، وإنما مدلوله هو كلام الله، لأن كلام الله بلا حرف وصوت، هذا الذي ادَّعَوْهُ. قالوا: كما لو أشار إلى شخص بإشارة مفهومة.