يعني لو قال له حينئذٍ هذا حديث نفسه، فأخذ زيد وهو أخرس أخذ زيد قال: فلان يدعوك إلى أن تحضر إليه. إذًا هذا عَبَّر عما في نفسه هل هو عينه؟ الجواب: لا، فالأصل أن نقول: ما عَبَّر به يُنْسَبُ إليه لا ينسب إليَّ، لماذا؟ لأني لو عَلِمْتُ عن زيد أنه حَدَّثَ نفسه بحديث النفس ثم أخذته فكتبتُه فقرأه قارئ يَنْسِبُ هذا المقروء إلى مَنْ؟ إلى مَنْ كَتَبَ أو إلى مَنْ ظُنَّ أنه حدث نفسه به؟ إلى مَنْ كَتَبَ، هذا الذي يُنْسَبُ إليه، اتضحت؟ لو فهمتُ شيئًا من أخرس فأخذتُه وكتبتُه فقرأتَه أَنْتَ، تَقرأ هذا الكلام تقول: كلام مَنْ؟ كلام الأخرس أو كلامي الكاتب؟ كلامي أنا، إذًا لا يُنسب إليه، هذا فيه نفي إلى كون القرآن كلام الله تعالى، وهذا الذي أراده الأشاعرة، فكتب ذلك الشخص عبارةً عن المعنى الذي أوحاه إليه ذلك الأخرس، فالمكتوب هو عبارة ذلك الشخص عن ذلك المعنى، هكذا ادَّعَى الأشاعرة، فعندهم قاعدة هنا في القرآن أن الْمَلَك فَهِمَ منه - يعني من الله تعالى - معنًى قائمًا بنفسه، لَمْ يسمع منه حرفًا ولا صوتًا، يَرِدُ السؤال كبير كيف فَهِمَ ذلك؟ نحتاج إلى ماذا؟ إلى تفسير وليس عندهم إلا أقاويل متضاربة، بل فَهِم معنًى مجردًا ثُمَّ عَبَّرَ عنه، فهذا الذي أحدث نظم القرآن وتأليفه هذا ليس منسوبًا إلى الباري جل وعلا، فالذي أَلَّفَ القرآن يعني ضمَّ بعضه إلى بعض هذا المراد بالتأليف ضم الحرف إلى الحرف، والكلمة إلى الكلمة، والآية إلى الآية، والسورة إلى السورة مَنْ؟ جبريل عليه السلام، كيف أَلَّفَهُ؟ فَهِمَ من الباري جل وعلا المعنى النفسي فعَبَّرَ عنه من عند نفسه، فالكلام كلام جبريل وليس بكلام الله تعالى وهذا باطل، وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى رد على من زعم أن كلام الله المعنى النفسي من تسعين وجهًا في ... (( التسعينية ) )المطبوعة بهذا الاسم، كل واحدٍ منها يدل على بطلانه بأدلة نقليةٍ وعقلية.
قال ابن القيم:
تسعون وجهًا بينت بطلانه ... أعني كلام النفسي ذا البطلانِ
وكما ذكرنا القاعدة إذا قيل: تسعون وجهًا. لا يعني أن هذا القول المخالف باطل، يحتاج إلى معاونة التسعين، لا، واحدٌ منها يكفي بإسقاطه، ولكن هذا من باب حشر الخاص في هذه التسعين، وإلا واحدٌ منها يكفي، الباطل كاسمه باطل لأنه لا يدل عليه لا عقلٌ ولا نقلٌ، كيف يكون القرآن الذي هو شرفٌ للمؤمن أن يتلو كلام ربه جل وعلا، ثم يقول: هذا القرآن مخلوق كسائر الأحجار والأشجار، وإلا ما الفائدة أن يقال: بأنه يُصان عن القاذورات؟ إذا كان لا فرق بينه وبين الأشجار والأحجار، لماذا يقال: بأنه يصان عن الأقذار والنجاسات؟ لماذا لا يمسه إلا متطهر من الحدثين؟ لماذا على قول الجمهور لا يتلوه إلا الطاهر من الجنابة؟ إذا كان كغيره من المخلوقات، هذا تناقضٌ، ولذلك هم بأنفسهم يقررون في باب الفقه ماذا؟ هذه الأحكام، وإذا جاءوا في باب المعتقد بَيَّنُوا أن كلام الله تعالى هو نفسيٌ، وأن ما دل عليه هو مخلوق، ولذلك يَنُصّ الأشاعرة بأنهم يعتقدون أن القرآن مخلوق، لكن ينصون أنهم لا يقولون عند العامة ذلك الكلام تأدبًا مع الله تعالى، وأما في مجالس التعليم فيَنُصُّون على ذلك.