وهذه لا شك أنها مختلفة، أليس كذلك؟ فلها معانٍ مختلفة، هل هذه المعاني متحدة في شيءٍ واحد أم أنها متعددة؟ فالأمر له معنًى يُغاير معنى النهي، والوعيد له معنًى يُغاير معنى الوعد، هل هي متغايرة أم أنه شيءٌ واحدٌ؟ والتّعدد حينئذٍ يكون باعتبار المُتَعَلَّق لا باعتبار المُتَعَلِّق، المتعلِّق الذي هو المعنى النفسي، إن تعلَّق بطلب إيجاد الشيء سُمِّيَ أمرًا، وإن تعلَّقَ بإعدام الشيء والنهي عنه سُمِّيَ نَهْيًا، إن تعلَّق بما يدل على الثواب إن فُعِلَ الشيء أو تُرِكَ سُمِّيَ وعدًا، والعكس بالوعيد فثَمَّ قولان عند الأشاعرة: منهم من يرى التعدد، ومنهم من يرى الوحدة وعدم التجزأ، لذلك قال هنا: وهي معنى واحد وهذا المشهور عند الأشاعرة، لأنهم يَنْسِبُون إلى أبي الحسن الأشعري قَوْلَيْنِ في هذه المسألة، وهذه المسألة تتعلق بها المسألة الأصولية التي تمر معكم، وهي: هل الأمر هو عَيْن النهي أم لا؟ مرّ معكم أو لا؟ الأمر بالشيء هل هو عين النهي أم لا؟ ثلاثة أقوال يحكون عند الأصوليين ومبناها على هذه المسألة، فمن قال: بأن الأمر هو عين النهي هو عينه بذاته وإنما اختلف في ماذا؟ باعتبار المتعلَّق، ما هو المتعلَّق؟ الإيجاد والترك هذا المقصود به، يعني أنت أيها المكلَّف طُلِبَ منك الإيجاد، أو طُلِبَ منك الترك، بكونه تعلَّق بك، عندنا متعلِّق وعندنا متعلَّق، فإن كان شيئًا واحدًا فالأمر هو عين النهي، هو عين العام، هو عين الخاص، هو عين المطلق، هو عين المقيد، وهذه كلها متحدة شيءٌ واحد، فمن رَجَّحَ هناك عند الأصوليين بأن النهي هو عين الأمر لَزِمَ منه أن يقول بأن المعنى النفسي هنا غير متعدد، والصواب أن نقول: بأن كلام الله تعالى لفظٌ ومعنًى، ويلزم من ذلك أن معنى الأمر غير معنى النهي، يلزم من ذلك ماذا؟ أن معنى الأمر غير معنى النهي، وكل عاقلٍ يعلم لسان العرب يُدرك أن الأمر له لفظٌ ومعنى يدل عليه، وأن النهي له لفظٌ وله معنى يدل عليه، ولا يستوي الأمر والنهي مطلقًا، ولذلك باعتبار الألفاظ اتفقوا على أن الأمر غير النهي.
الحاصل: أن قوله هنا: أن المعاني قديمة قائمةٌ بالنفس وهي معنًى واحدٌ لا تبعض فيه ولا تعدد. حينئذٍ ماذا يترتب باعتبار الكلام عندنا هنا كتب الباري جل وعلا إن عبر عنه بالعربية كان قرآنًا، وإن عُبِّرَ عنه بالعبرانية كان توراةً، أو بالسّريانية كان إنجيلًا، لأنه شيءٌ واحد، إن عَبَّرَ عنه جبريل بلسان العرب سَمُّاه قرآنًا، وإن عَبَّرَ عنه بالعبرانية سَمَّاه ماذا؟ توراةً. إذًا القرآن هو عين التوراة يلزم منه ذلك، ولذلك قال أهل السنة والجماعة: هذا القول تصوره يُغني عن نصب الأدلة على فساده. يعني بمجرد أن تعقل بأنه يلزم أن القرآن هو التوارة، والتوراة هي الإنجيل، وهي صحف إبراهيم، وهي الزبور .. إلى آخره كونها متحدة هذا يدل على بطلان هذا القول.