الصفحة 825 من 883

قال هنا: وإن عُبِّرَ عنه بالعربية كان قرآنًا، وإن عُبِّرَ عنه بالعبرانية كان توراةً، أو بالسّريانية كان إنجيلًا. وهذا القول تصوره كافٍ لمعرفة بطلانه، وليس لهم دليل يعني على قولهم بالمعنى النفسي وما يترتب عليه، ولا شبهة، لا دليل ولا شبهة، الشبهة هي فُعْلَةٌ من الشَّبَهِ بمعنى أن يكون الشيء له أصلٌ لكنه اشْتَبَهَ، واضح هذا؟ يعني يحتمل الحق ويحتمل الباطل، هل في القرآن والسنة ما يمكن أن يُفْهَم منه أن القرآن ليس بكلام الله تعالى أو بكونه مخلوقًا أو بكون كلام الباري جل وعلا معنًى [نفسي] ؟ ليس عندنا. إذًا ليس عندهم دليل، وليس عندهم يعني ليس عندهم دليل صريح في ادِّعَائِهم ذلك، وليس عندهم دليلٌ في أصله وثبوته صحيح لكن ممكن أن يَلْتَبِس عليهم المعنى، وإنما لهم بيتٌ يُنسب للأخطل النصراني وهو قوله:

إن الكلام لفي الفؤاد

الفؤاد يعني القلب

إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جُعِلَ اللسان على الفؤاد دليلا

هب أن البيت صحيح، وهب أن الرجل نصراني، وهب أنه قال: بأن الكلام نفساني نرد الآيات قطعية الثبوت وقطعية الدلالة المتواترة بفهم هذا النصراني الأعوج؟ هل هذا مسلم يقدم قولًا لنصراني على كلام الباري جل وعلا؟! هب أن الأصل في استدلالهم صحيح بأن البيت ثابت، وأنه قاله نصراني، وأنه يدل على أن الكلام في استعمال بعض لسان العرب أن المراد به الكلام النفسي؟ نقول: لو سُلِّمَ بذلك نقول: دلت النصوص على أن كلام الله تعالى هو صفةٌ له جل وعلا، وأنه يشمل اللفظ والمعنى معًا، لا اللفظ دون المعنى، ولا المعنى دون اللفظ، بل حروفه ومعانيه هو كلام الله تعالى، هذا البيت إن ثبت فمعناه أن الكلام يخرج من القلب محله القلب

إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جُعِلَ اللسان على الفؤاد دليلا

والدليل على الكلام ليس هو الكلام، صحيح؟ الدليل على الشيء ليس هو الشيء، فالكلام محله الفؤاد، إذًا كل ما كان في الفؤاد فهو كلامٌ، وليس في الفؤاد إلا حديث النفس وخواطر النفس، والذي دل عليه يُسَمَّى دليلًا، هذا الذي أراده الأخطل بهذا، أن الكلام يخرج من القلب ويُعَبِّرُ عنه اللسان، وأما الكلام الذي في اللسان فقط فهو يُشبه كلام النائم والهاذي ونحوهما فليس بكلامٍ، هذا الذي تمسكوا به.

وأدلة الكتاب والسنة تُرُدّ هذا القول.

والذي يعقله العقلاء أن الكلام صفة المتكلم المسموع منه، وأن ما في النفس لا يسمى كلامًا بوجهٍ من الوجوه، لا يسمى كلامًا إلا إذا قُيِّدَ، إذا قُيِّدَ قِيل: تكلم في نفسه، قال في نفسه. فلا إشكال، وإنما المراد ماذا؟ عند الإطلاق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت