وجاء في حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يدل على أن حديث النفس لا يُسمى كلامًا قال - صلى الله عليه وسلم: «عُفِيَ لأمتي عن الخطأ والنسيان وما حدثت به أنْفُسَهَا ... [أنْفُسُها] ما لم تعمل به أو تتكلم» واضح «ما حدثت به أنْفُسَهَا» هذا مَعْفُوٌ عنه إلا إذا تكلم، يعني عُفِيَ الكلام إلا إذا تكلم - لو على كلام الأشاعرة - لأن ما في النفس يُسمى كلامًا، هذا النص يدل على أن حديث النفس لا يُسمى كلامًا لأنه غاير بينهما، فحديث النفس معفوٌ عنه إلا إذا تكلم، فإذا تكلم أُخذ عليه، ولذلك الفقهاء وكثيرٌ منهم يكتب في الفقه اتفقوا على أنه لو تكلم بطلت صلاته، لو تكلم في الصلاة بطلت صلاته، طب لو حَدَّث نفسه؟ لا تبطل صلاته. تناقض أو لا؟ ثَمَّ تناقض، والاتفاق هنا في كلامٍ ليس في مصلحة الصلاة، أما ما كان في مصلحة الصلاة هذا مختلفٌ فيه، وأهل الحديث على أنه لا يُبطل الصلاة. إذًا: ... «عُفِيَ لأمتي عن الخطأ والنسيان وما حدثت به أنْفُسَهَا ما لم تعمل به أو تتكلم» هذا صريح بأن ما حَدَّثَتْ به أنفسُها ليس بكلامٍ إلى غير ذلك من الأدلة الدالة على بطلانه.
وأيضًا فإن الحكاية تماثل المحكي. فمن قال: إن القرآن حكاية كلام الله بهذا المعنى فقد ضل ضلالًا مبينًا. الحكاية تفيد المماثلة، بل هي بمعنى المماثلة، فإذا قيل: إن كلام جبريل حرفًا وصوتًا مماثلٌ لكلام الله تعالى ادَّعَى أن ثَمَّ ما يستوي مع صفة الباري جل وعلا، لأن الكلام هنا هو بعينه من حيث ماذا؟ من حيث المماثلة، هذا يماثل ما في نفس الرب جل وعلا هذا محظورٌ شرعي أم لا؟ هذا محظورٌ شرعي، ولذلك قال: فإن الحكاية تماثل المحكي فمن قال: إن القرآن حكاية كلام الله بهذا المعنى الذي أرادوه فقد ضل ضلالًا مبينًا، فإن القرآن لا يقدر أحدٌ على أن يأتي بمثله، أليس كذلك؟ فإذا قيل: كلام النفس هو القرآن، وهو كلام الله تعالى، وتحدَّى الله تعالى أن يأتي أحدٌ بمثله. نقول: جاء جبريل وجاء محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - وكل تالٍ للقرآن جاء بمثل ما أراده الله عز وجل، وهذا باطلٌ. ولا يقدر أحدٌ أن يأتي بما يحكيه. ولذلك قال في (( القاموس ) ): يُقال: حكيت فلانًا وحاكيته شابهته، وفعلت فعله أو قوله سواء يعني مستويان، وأول من قال: إنه حكايةٌ عن كلام الله عبد الله بن سعيد بن الكُلاب، وأما القول بأنه عبارةٌ عن كلام الله كما هو قول الأشاعرة فإنه يلزم عليه أن كل تالٍ معبرًا عن ما في نفس الله، وهذا باطل. وهو كالسابق في (( القاموس ) )عَبَّرَ عن ما في نفسه أَعْرب، وعَبَّرَ عنه غيره فأعرب عنه، والاسم [العِبرةٌ أو] العَبرة والعِبارة، العَبرةُ والعبارة قال: والمعبر عن غيره هو المنشئ للعبارة، فيكون كل قارئٍ هو المنشئ لعبارة القرآن، وهذا معلوم الفساد بالضرورة.