الصفحة 827 من 883

الحاصل أن دعوى الأشاعرة والْكُلاَّبِيَّة أن كلام الله تعالى هو معنًى قائمُ بالنفسِ، وهذا الملفوظ ليس هو كلام الله تعالى وإنما هو حكايةٌ أو عبارةٌ عن كلام الله تعالى، مَنِ الذي أتى به خلقه الله تعالى، إما على لسان جبريل - إن صح التعبير -، وإما على لسان محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، أو في الشجرة، أو في غيرها، أو في اللوح المحفوظ، أو غيره. حينئذٍ نقول: هذا يعتبر باطلًا للأدلة السابقة.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وهذا المذهب مبنيٌ على مسألة إنكار قيام الأفعال الاختيارية بالله، ويسمونها مسألة حلول الحوادث، وحقيقتها إنكار أفعاله سبحانه وتعالى وربوبيته ومشيئته.

وهذه مسألة حلول الحوادث هي العمدة عند الأشاعرة، فكل ما لم يوجد ثُمَّ يُوجد فهذا منفيٌ عندهم لأنه ليلزم ماذا؟ إذا قيل: بأن كلام الله لم يكن متكلمًا - ومر معنا أن كلام الله تعالى باعتبار النوع قديم أزليٌ، وباعتبار الآحاد حادث - قالوا: حادث إذًا لم يكن، لم يكن قبل فكان. إذًا لزم منه أن يكون ماذا؟ أن يكون قام به حادثٌ فيكون محلًا للحوادث، يعني للمخلوقات وهذا باطلٌ، ومر معنا أن الحادث لا يلزم أن يكون مخلوقًا، بل قد لا يكون ثم يكون.

وأول من قال بـ (العبارة) هو الأشعري وهو قولٌ باطل كالقول بـ (الحكاية) ، فإن الأدلة دلت على أن القرآن لفظه ومعناه كلام الله تعالى، وأما القول بأن القرآن عبارةٌ عن كلام الله وحكايةٌ فهو قولٌ مبتدعٌ باطلٌ ترده الأدلة، ولم يقل أحدٌ من السلف بذلك.

قال الإمام أحمد: القرآن كيف تُصُرِّفَ فيه فهو غير مخلوقٍ، ولا نرى القول بالحكاية والعبارة، وغلط من قال بهما وجهلهم. وقال: هذه بدعةٌ لم يقل بها السلف.

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: المنقول عن السلف اتفاقهم على أن القرآن كلام الله غير مخلوق. - هذا محل إجماع - تَلَقَّاهُ جبريل عن الله، وبلغه جبريل إلى محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، وبلغه محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - إلى أمته. انتهى كلامه.

قال الله تعالى: {فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ} [التوبة: 6] . ولم يقل ما هو عبارةٌ عن كلام الله، أو حكايةٌ عن كلام الله، فالأصل الحقيقة ومن قال: إن المكتوب في الصحف عبارةٌ عن كلام الله أو حكايةٌ عن كلام الله وليس فيها كلام الله فقد خالف الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، وكفى بذلك ضلالًا.

قال ابن القيم في (( النونية ) ):

زعموا القران عبارةً وحكايةً ... قلنا كما زعموه قرآنانِ

قرآن هو في نفس الله تعالى، وقرآن هو الملفوظ، إذًا عندنا قرآنان، قرآنٌ صفةٌ للباري جل وعلا وهو كلامه النفسي، وقرآنٌ هو الذي يتلوه عباد الله.

هذا الذي نتلوه مخلوقٌ كما ... قال الوليد وبعده الفئتانِ

{إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ} [المدثر: 25] .

والآخر المعنى القديم فقائمٌ ... بالنفس لم يُسمع من الديانِ

ما سمعه أحد حتى جبريل.

ودليلهم في ذاك بيتٌ قاله ... فيما يقال الأخطل النصرانِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت