ولذلك قال: من لم يؤمن بأن المؤمنين يرونه جل وعلا يوم القيامة فقد ردّ أدلة الكتاب والسنة، وإذا ردّ أدلة الكتاب والسنة حينئذٍ يكون مُكَذِّبًا، وكل مكذبٍ بأدلة الكتاب والسنة بل بآيةٍ واحدة فهو كافرٌ مرتدٌ عن الإسلام، وخالف ما عليه سلف الأمة وأئمتها يعني خالف إجماع الأمة، حينئذٍ دلالة الكتاب ودلالة السنة ودلالة الإجماع تدل على أن المؤمنين يَرَوْنَ ربهم جل وعلا ولم يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، يعني انتفت أركان الإيمان الستة، لأن أركان الإيمان الستة متلازمة إن كفر بواحدٍ منها كفر بالبقية، ووجه كون الإيمان بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة من الإيمان بالله ظاهر لأن الإيمان بالله مر معنا أنه يشمل الإيمان بربوبيته وبأسمائه وصفاته وأُلوهيته وذاته، حينئذٍ رؤيته جل وعلا وإمكان رؤيته نقول: هذا يُعتبر من الصفات، وإذا كان كذلك حينئذٍ يكون مُكذبًا للإيمان بالله هذا ظاهرٌ واضحٌ بَيِّن، وكذلك أخبر الله تعالى عن ذلك فوجب تصديقه، فإذا كُذِّبَ فحينئذٍ نقض الإيمان بالله وتعالى، ولأن هذا مِمَّا أخبر الله به فإذا آمن به فهو من الإيمان بالله، ووجه كونه من الإيمان بالكتب لماذا؟ لأن الذي أخبر بأن الذي يُرى بأن الله يرى يوم القيامة الكتب، يعني دل على ذلك الكتب جاء في القرآن، فإذا كَذَّبَ بالقرآن فقد كَذَّبَ بسائر الكتب، وإذا رَدَّ ما جاء به القرآن فقد كَذَّبَ القرآن، حينئذٍ يكون قد انتقض عنده هذا الركن وهو الإيمان بكتبه جل وعلا، فلأن الكتب أخبرت بأن الله يُرَى فالتصديق بذلك تصديقٌ بالكتب، ووجه كونه من الإيمان بالملائكة لأن الذي نزل بذلك الخبر هو جبريل عليه السلام حينئذٍ عدم الإيمان بما دل عليه تكذيبٌ كذلك للرسل، فالوحي إنما نُقِلَ بواسطة الملائكة فإن جبريل يَنْزِلُ بالوحي من الله تعالى فكان الإيمان بأن الله يُرَى من الإيمان بالملائكة، وكذلك نقول: من الإيمان بالرسل، لأن الرسل ومنهم محمد - صلى الله عليه وسلم - بَلَّغُوا عن ربهم جل وعلا أنه يُرَى يوم القيامة، فإذا كُذِّبَ واحدٌ منهم حينئذٍ كُذِّبَ الرسل، فدل ذلك على أن من لم يؤمن بأن الله تعالى يُرَى يوم القيامة حينئذٍ قد كَذَّبَ بالإيمان بالله وبكتبه وبرسله وبالملائكة.
وهذا يدل على أن أركان الإيمان متلازمة لا تغاير بينها، فالإيمان بالرؤية داخلٌ في الأركان الستة، لأن كل واحدٍ من هذه الأركان مستلزمٌ للآخر، بل الإيمان بالله مستلزمٌ الإيمان بجميع الأركان، وهذا إن كان لا يختص بالرؤية بل سائر الصفات كذلك، لكن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى نص على ذلك في هذا المقام لعله أنه قد نُصَّ من السلف أو من جهة السلف أنه من أنكر الرؤية فهو كافر. وَوَجْهُهُ أنه مُكَذِّبٌ لهذه الأركان الستة وإلا من لم يؤمن بعلو الله تعالى الذاتي كذلك هو مكذبٌ للإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله لأن ذلك الوصف جاء في الكتاب ونزل به جبريل، وكذلك جاء به الرسل، حينئذٍ أصاب كلها مِمَّا يتعلق بالإيمان بالأركان الستة، ولعله نص على ذلك في هذا الموضع لِمَا ذكرناه.