ثم قال ابن القيم: فلا يمكن أن يروه إلا من فوقهم. يعني من جهة العلو لاستحالة أن يروه من أسفل منهم أو وراءهم أو قدَّامهم ونحو ذلك، بمعنى أن هذا النص الذي دل على إثبات الرؤية للباري جل وعلا يوم القيامة يدل على إثبات العلو، بخلاف من يقول بأنه في كل مكان أين يراه؟ هو أراد أن ينقض ما ذهب إليه من يقول بأن الله تعالى في كل مكان كما مر معنا، حينئذٍ إذا كانوا يرون الباري جل وعلا أعني المؤمنين من أين يرونه؟ من فوقهم أو من يمينهم أو من شمالهم؟ من قال بأنه في كل مكان كيف يرونه، يتعذر ذلك، حينئذٍ لَمَّا قال بأنه يرونه خاص شبه الرؤية بالرؤية في البدر والشمس صحوًا دل على أنهم يرونه من فوقهم، فأثبت بذلك العلو الذاتي للرب جل وعلا. ثم قال: ولا يجتمع في قلب عبدٍ اطلع على هذه الأحاديث وفهم معناها لا يجتمع إنكارها والشهادة بأن محمدًا رسول الله أبدًا. يعني لا يمكن من آمن بأن محمدًا رسول من عند الله - صلى الله عليه وسلم - ثم بعد ذلك ينكر هذه الأدلة لا يجتمعان، بمعنى أن من ردّ هذه الأحاديث وأنكرها انتقضت عنده شهادة أن محمدًا رسول الله، فإذا انتقضت عنده هذه الشهادة انتقضت عنده شهادة أن لا إله إلا الله لأنهما متلازمتان، فإذا ثبتت إحداهما لزم من ذلك إثبات الأخرى، وإذا انتفت إحداهما لزم من ذلك انتفاء الأخرى، فحينئذٍ لا يجتمع في قلب مؤمن وقف على هذه الأدلة التي تدل على إثبات الرؤية للباري جل وعلا وأن المؤمنون يَرَوْنَهُ يوم القيامة ثم يُنْكِرُها ثم يَدَّعِي بأنه يشهد أن محمدًا رسول الله لا يجتمعان، بمعنى أنه لا يكون مسلمًا كما مر في نص الإمام أحمد وابن خزيمة بأنه ليس بمؤمن عند المؤمنين، وهذا الذي نعتقده بأنه ليس بمؤمن عند المؤمنين، فمن أنكر الرؤية حينئذٍ لا يُسَلَّمُ له بأن عنده شبهة دليل فضلًا عن دليل، وإذا كان كذلك فحينئذٍ يكون قد قدَّمَ هواه وعقله على الأمر القطعي من جهة الثبوت ومن جهة الدلالة.
قوله: بأن المؤمنين يرونه كما تواترت بذلك الأدلة وهذا بخلاف الكفار، فإنهم لا يرونه سبحانه وتعالى كما قال سبحانه: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} [المطففين: 15] . {يَوْمَئِذٍ} أي يوم القيامة، ولذلك قيدت الرؤية متى؟ يوم القيامة، وأما في الدنيا كما سيأتي فإنهم لا يرون ربهم البتة، لا يرى أحد من المؤمنين لا من الرسل ولا من غيرهم ربهم جل وعلا في الدنيا، وإنما الرؤية مخصوصة بيوم القيامة، ولذلك قال: ... {يَوْمَئِذٍ} يعني يوم إذْ يقوم الناس لرب العالمين حينئذٍ تأتي الرؤية {كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} ، {كَلَّا إِنَّهُمْ} هذا توكيد، وقوله: {لَّمَحْجُوبُونَ} . هذه اللام للتوكيد، إذًا الحكم يكون مؤكدًا بأن الكفار لا يرون ربهم جل وعلا يوم القيامة.