قال ابن القيم رحمه الله تعالى: قوله: (عِيَانًا) . تحقيقًا للرؤية، بمعنى أن الدليل إذا دل على الرؤية كفى، أليس كذلك؟ إذا قال: سيرى ربه، يرونه، حينئذٍ نقول: الرؤية تدل على أنها بالعين، وإذا قيل بالعين كذلك يدل على أنه بالبصر، فثَمَّ ثلاثة ألفاظ، الأصل فيها الأعم الأشمل يرونه، والرؤية إنما تكون بالبصر، ثم الرؤية تكون بماذا؟ بعينه، ثم العين التي هي منفذ البصر، حينئذٍ تكون الدلالة الأولى العامة للرؤية، ثم التصريح بالعين ... عِيانًا معاينة مشاهدةً هذا من باب التأكيد (بِأَبْصَارِهِمْ) تأكيد بعد تأكيد تحقيقًا للرؤية، ترونه قال هنا: تحقيقًا للرؤية ونفيًا لتوهم المجاز الذي يظنه المعطلة، بمعنى أنه قد يتمسك متمسك في قوله: الرؤية. لأنها محتملة، نقول: لا، لما صرح بكونه عِيانًا لم يبقَ حجة في النفي البتة ولا في دعوى المجاز، يرونه هذا قال محتمل هو لا يحتمل، لأن الرؤية لا تفهم في لسان العرب إلا بما كانت بالعين، لكن لو ادَّعَى مدعٍ ولو كذبًا وهذه عادتهم في المجازات أنه يحمل على المجاز نقول قوله: (عِيَانًا) . هذا دفع لتوهم المجاز، قوله: ... (بِأَبْصَارِهِمْ) . هذا دفع لتوهم المجاز، إذًا لا يمكن أن يتمسك متمسك في نفي الرؤية البتة ليس عنده شبهة دليل فضلًا عن دليل حتى المجاز لا يمكن أن يحمل عليه اللفظ البتة في هذا المقام، فليس ثَمَّ شبهة.
قال: نفيًا لتوهم المجاز الذي يظنه المعطلون، فلا نقول: يرونه لا بأبصارهم. وهذا من خرافات الأشاعرة يرونه لا بأبصارهم، بماذا يرونه؟ هنا لا يلزم أن نفهم الكلام لأن الكلام لا يعقل، يرونه لا بأبصارهم، ماذا يصنع كيف يكون؟ قال: يخلق لهم قوة في أعينهم تمكنهم من إدراك الباري جل وعلا، ما هي هذه القوة؟ الله أعلم بها، إذًا هذا كله تهافت من أجل ماذا؟ من أجل أن لا يُسِلِّمُ بأن الباري يُرى لأنهم لو سَلَّمُوا بذلك للزم منه إثبات الجهة التي هي تنازعهم، أليس كذلك؟ وكما قال ابن القيم فيما مر أنه لا يمكن أن يقال بأنه إذا رؤي أن يرى في من تحت أو اليمين أو الشمال، وإنما يرى في جهةٍ وهي جهة العلو فنثبت الجهة بالمعنى وإن كان هذا اللفظ يتوقف فيه، ففي جهة العلو هي التي يُرى الباري جل وعلا، فأردوا أن يثبتوا الرؤية لأنهم لا يستطيعوا نفيها لتأكد الأدلة السابقة التي ذكرناها دلالة قطعية ودلالة ثبوتية، قالوا: إذًا يرونه لكن لا بأبصارهم، قالوا: ويخلق الله في الأبصار قوة إدراك للرؤية، فليس البصر وسيلةً للرؤية عندهم، وهذا باطل هذا كلام متهافت أصلًا ومخالف لظاهر النصوص، وإن ظاهرها يدل على أن الرؤية تكون بالعين لا يدرك من الإنسان من حيث هو إنسان أن يرى إلا بعينه، ولا يرى بعينه إلا ببصرٍ، فحينئذٍ إذا رُتِّبَتِ الرؤية لا على العين حينئذٍ يرى بماذا؟ بيده ورجله، نقول: لا، ليس ثَمَّ إلا بعينه، وإذا رأى بعينه ليس ثَمَّ إلا البصر، فأي إضافة على هذا الذي هو مدرك من حياة الإنسان حينئذٍ نقول: هذا يعتبر تهافًا لا يُسَلَّمُ البتة.