كَذَّب النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث، «فإنكم ترونه» ، وهذا خبر مؤكد «فإنكم ترونه» حينئذٍ ترون الباري جل وعلا، «كذلك» أي مثل رؤيتكم للشمس ليس دونها السحاب، ومثل رؤيتكم للقمر لا تضامون أو تضارون في رؤيته، وتقدم حديث جرير إلى غير هذه الأحاديث التي بلغت حد التواتر، وإن كانت متواترة تواترًا معنويًّا لكن تثبت بها الحجة، والتي يجزم من أحاط بها علمًا أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قالها، فهذه الأحاديث التي فيها إثبات الرؤية، وفيها الرد على الأشاعرة والقائلين بأنه سبحانه يُرى من غير مواجهة ومعاينة، وهذا كما ذكرنا أنه مصادم للنصوص، ويُعتبر اجتهادًا باطلًا من كل وجه، بل هو ضلال مبين، لأنه إنكار للرؤية، ولذلك المعتزلة أحسن حالًا منهم، الذين أنكروا الرؤية أحسن ممن يقول يُرى لا في مكان، أليس كذلك؟ لأن هذا مؤداه إلى إنكار الرؤية لا فرق بين المذهبين، كما مر معنا أن عقيدة الجهمية والمعتزلة مع الأشاعرة في مسألة القرآن لا فرق بينهما، وإن عَبَّر هؤلاء بأنه عبارة عن كلام الله وهؤلاء قالوا: مخلوق لأن النتيجة واحدة، لأن العبرة هنا ليست بالألفاظ، العبرة بالحقائق والمآلات يؤدي هذا القول إلى أي شيء؟ إلى إنكار أن القرآن كلام الله عز وجل، إذًا عَبِّر بما شئت، إذا كانت النتيجة تؤدي إلى أن القرآن ليس كلاك الله حينئذٍ المذهبان والثلاثة والأربعة كلها متفقة - انتبه لهذا - العبرة بالحقائق، ثم قد يذكرون بعض التهافت الذي يظنون أنه أدلة وهو مصادم للعقل العقل لا يقبله البتة كيف يرى الإنسان يخاطب الباري جل وعلا الخلق بأنهم يرونه ثم يقول: يرون لا بالعين، لا بالبصر، بماذا يرونه؟ هذا أمر مصادم للعقل، وما أدَّاهم إلى ذلك إلا الأصول الفاسدة التي يعتمدون في العلو وغيره.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وهذا قولٌ انفردوا به دون سائر طوائف الأمة. يعني الأشاعرة اجتهدوا وانفردوا ببعض المسائل التي انفردوا به عن الجمهية والمعتزلة وإلا هم أفراخ لهم، حينئذٍ هذا القول مما انفردوا به، وهو كونه ماذا؟ أنه يُرى من غير مواجهة ومعاينة، يعني لا يرونه في مكان ولا يرونه بالأبصار.