الصفحة 848 من 883

قوله: (صَحْوًا) أي ذات صحوٍ، أي انقشع عنها الغيم ليس دونها سحاب (كَمَا تَرَوْنَ) قلنا: الكاف للتشبيه و (ما) مصدرية، وهنا تشبيهٌ للرؤية بالرؤية فإن الكاف حرف تشبيهٍ دخل على الرؤية، ولم يشبِّهِ المرئي - المرئي الذي هو من؟ الله عز وجل - لأنه لا شبيه له ولا نظير له، لو قال: بأن المرئي الذي هو القمر مثل الله تعالى حصل التشبيه، والله تعالى يقول: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] . وهو قال: (كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ) إذًا ليس المراد به ماذا؟ تشبيه الله تعالى بالقمر، لا، وإنما الرؤية بالرؤية فعلك أنت أيها العبد، وأما المرئي فهذا لا شبيه له جل وعلا ولا مثيل ولا نظير، فرؤية العباد ربهم سبحانه يوم القيامة مُشَبَّهَةٌ برؤية العباد القمر ليلة البدر. قوله: لاَ تُضَارُونَ فِي رُؤْيَتِهِ. قال في (( النهاية ) ): يُرْوَى بالتشديد والتخفيف تُضَارُونَ تُضَارُّونَ فالتشديد معناه لا يَنْضَمُّ بعضكم إلى بعض وهذا فيه (تُضَامُّونَ) يعني جاء بروايتين، تضارُّون أي لا يضر بعضكم بعضًا ... (تُضَامُّونَ) أي لا ينضم بعضكم إلى بعضٍ كما يفعله المخلوق إذا رأى شيئًا [في] شيئًا على الأرض مثلًا ويكون فيه شيءٌ من الازدحام حينئذٍ ينضم بعضهم إلى بعض من أجل أن يروه، الباري جل وعلا يوم القيامة يرى وكلٌّ في مكانه. قال: يُروى بالتشديد والتخفيف فالتشديد معناه لا ينضم بعضكم إلى بعض، والذي ذكره شيخ الإسلام (لَا يُضَامُونَ) نعم، فالتشديد معناه لا ينضم بعضكم إلى بعضٍ وتتزاحمون وقت النظر إليه، ويجوز ضم التاء وفتحها يعني مع التشديد، ومعنى التخفيف لا ينالكم ضيمٌ في رؤيته فيراه بعضكم دون بعضٍ، والضيم الظلم، وهذا مر معنا، وأما من زعم أن الخبر يدل على أنهم يرونه لا في جهةٍ هذا تفسيرٌ باطل لم يقله أحدٌ من أئمة أهل العلم، بل هو تفسيرٌ منكر، فإن الحديث يدل صراحةً على أنه سبحانه يتجلى تجليًّا ظاهرًا فيرونه كما تُرى الشمس والقمر بلا ضيمٍ يلحقهم في رؤيته على هذه الرواية، أليس كذلك؟ وعلى الرواية الأخرى معناه لا ينضم بعضكم إلى بعضٍ كما يتضام الناس عند رؤية الشيء الخفي كالهلال أو الشيء الذي يكون على وجه الأرض ينضم بعضهم إلى بعضٍ. انتهى من كلامه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت